حكاية اعتزال مديحة كامل على يد الريان

في منتصف الثمانينات، وتحديداً في عام 1986، شهدت أروقة القاهرة قصة درامية لم تكن بطلتها كاميرات السينما، بل كانت واقعاً رصدته أجهزة المراقبة وسرّبته كواليس السياسة والاقتصاد. إنها قصة اللقاء العاصف الذي جمع بين “إمبراطور توظيف الأموال” أحمد الريان، وبين فاتنة الشاشة الفنانة مديحة كامل، وهو اللقاء الذي وضع البذرة الأولى لقرار اعتزالها المثير للجدل.

عشاء تحت المراقبة وطلبات استثنائية

بدأت الحكاية بدعوة عشاء وجهتها مديحة كامل للريان وثلاثة من مرافقيه في بيتها. لم تكن الجلسة عادية، إذ كانت الأجهزة الأمنية تفرض رقابة صارمة على الريان، فزرعت أجهزة تسجيل في كل زاوية، وكانت السيارات الأمنية المرابطة في الخارج تستمع لكل كلمة “لايف”، مما جعل تفاصيل هذا العشاء مادة دسمة للصحافة لاحقاً.
فور وصوله، أصرّ الريان بأسلوبه المعهود على أن يكون العشاء على نفقته الخاصة، واتصل بمطعمه الشهير للمأكولات البحرية في شارع الهرم، لتصل بعد ساعتين سيارة محملة بأفخر أنواع الأسماك، لكن قبل وصول الطعام، كان “تسونامي” من الكلمات قد ضرب هدوء الجلسة.

“نجمة في الوحل”: المواجهة الصادمة

بينما كانت مديحة كامل تتحدث بفخر عن أمجادها السينمائية وجوائزها، قاطعها الريان بجملة نزلت كالصاعقة على الحضور: “أنتِ يا أختي بتقولي إنك كنتِ وما زلتِ نجمة كبيرة في السينما، والحقيقة إنك بالشكل ده كنتِ وما زلتِ نجمة في الوحل والطين!”.
ساد صمت رهيب، وتوقع الجميع انفجار مديحة غضباً، لكنها فاجأتهم بهدوء غريب قائلة: “مش هرد على إهانتك، مش عشان أنت ضيفي، لكن عشان أنا حاسة إن اللي قلته فيه جانب كبير من الحقيقة”. وأفصحت عن مخاوفها الدفينة من “عقاب الله” وخوفها على ابنتها الوحيدة “ميريهان”، مؤكدة رغبتها في اعتزال الفن والتوجه للعمل في البورصة.

مشروع “دار المغتربات” وعائق المرتب

الريان، الذي تأثر بصدق كلامها، اقترح عليها بديلاً للبورصة: إدارة دار للمغتربات في الشرق الأوسط، تكون بمستوى “خمس نجوم” تضم مكتبات وقاعات سينما ومطاعم. وعندما سألت عن الأجر، عرض عليها 10 آلاف جنيه شهرياً، ليصل إلى 100 ألف خلال خمس سنوات.
هنا ظهرت العقبة المادية؛ حيث أوضحت مديحة بوضوح: “المرتب مش مناسب.. أنا أجري في الفيلم الواحد أكتر من 100 ألف جنيه، ورتّبت حياتي على الدخل ده”. وانتهت الجلسة بدرس ديني ألقاه الريان عن الجنة والنار، وصلاة فجر جماعية في منزلها، كانت بمثابة إعلان توبة مبكر.

النهاية وبداية الاعتزال

استمرت المفاوضات لثلاثة أشهر، وافقت مديحة أخيراً على العرض، لكن القدر كان أسرع؛ حيث ألقي القبض على الريان وانهارت إمبراطوريته وتوقف المشروع. ومع تسرب تفاصيل اللقاء للصحافة، بدأ المنتجون في الابتعاد عنها، وتزايدت الإشاعات، مما دفعها في أوائل التسعينات لاتخاذ قرارها التاريخي بالاعتزال وارتداء الحجاب، لتظل حكايتها مع الريان هي المحرك الأول لهذا التحول الكبير.