هيكلية النفوذ في العلاقات: القوة، المكانة، والخصوصية في فيلم “بلومنجتون” (Bloomington)

 

غالبًا ما يُصنف فيلم Bloomington (2010) ضمن أفلام الرومانسية وقصص النضوج، ولكن تحت جمالياته السينمائية المستقلة تكمن دراسة معقدة لـ ديناميكيات القوة غير المتكافئة. وبينما يميل الفيلم إلى جاذبية العلاقة “المحرمة” بين الطالبة والمعلمة، فإن ثقله الحقيقي ينبع من كيفية إدارته لتبادل النفوذ بين بطلتيه: “جاكي”، نجمة الأطفال السابقة التي تبحث عن حياة طبيعية، و”كاثرين”، الأستاذة الجامعية التي تحيط نفسها بجدران فكرية صارمة.

 

الاختلال المؤسساتي

في أبسط مستوياته، يستعرض الفيلم التسلسل الهرمي الأكاديمي. تشغل كاثرين منصبًا سلطويًا، فكريًا ومهنيًا على حد سواء، مما يخلق أساسًا تظهر فيه ملامح القوة في نقطتين، الاولى سلطة التقييم حيث تملك كاثرين “مطرقة الحكم” على بيئة جاكي الدراسية، مما يجعل كل تفاعل رومانسي محاطًا بظلال المخاطر المهنية.
والثانية درع الأقدمية فتستخدم كاثرين فارق العمر والمكانة كطبقة حماية، وغالبًا ما تملي حدود الحميمية بينهما تحت شعار “حماية مسيرتها المهنية”.

ثقل الشهرة المقابل

ما يميز Bloomington عن قصص الحب الجامعية المعتادة هو خلفية جاكي. لكونها نجمة تلفزيونية سابقة، تدرك جاكي نوعًا مختلفًا من القوة والتي تأتي من النظرة العامة والجمهور. ويحدث التحول، فبينما تملك كاثرين القوة داخل أسوار الجامعة، تمتلك جاكي خبرة عالمية وشهرة تفتقر إليها كاثرين. ثم يتصاعد الصراع عندما يطارد الماضي جاكي، تنعكس ديناميكية القوة؛ تصبح كاثرين هي الطرف الأضعف، مدفوعة بالخوف من أن تكتسح حياة جاكي العامة عالمها الأكاديمي الخاص وتدمره.

إن صراع القوة الأكثر تأثيرًا في الفيلم لا يتعلق بالدرجات الدراسية، بل بـ الهشاشة العاطفية والثقل النفسي لعيش حياة مزدوجة. تعمل كاثرين باستمرار كـ حارس بوابة لحالة العلاقة، حيث تملك وحدها القدرة على تقرير متى تكون العلاقة “قائمة” ومتى يتم “إيقافها”. وهذا يخلق حالة من عدم اليقين لدى جاكي، التي تجد نفسها مضطرة للتكيف مع تقلبات كاثرين المزاجية لتعرف أين تقف.
علاوة على ذلك، فإن عبء السرية لا يتم تقاسمه بالتساوي. فغالبًا ما تتحمل جاكي الثقل الأكبر من المجهود العاطفي، مضحيةً بفرصتها في الاندماج الاجتماعي في الكلية لتلبية رغبة كاثرين في التكتم التام. تصبح هذه السرية أداة في يد كاثرين للحفاظ على السيطرة؛ فمن خلال إبقاء العلاقة في الظل، يمكنها استخدام الانسحاب العاطفي كأداة لخلق مسافة كلما شعرت أن هذا القرب يهدد مكانتها المهنية. إنها ديناميكية لا تهدف فيها السرية إلى الحماية بقدر ما تهدف إلى إمساك أحد الطرفين بزمام الأمور لضمان بقاء الآخر ضمن حدود محددة ومسيطر عليها.


ويصل الفيلم إلى ذروته عندما يعترف بهذه الاختلالات. ومع ذلك، نرى أسلوب سرده ناعمًا أكثر من اللازم مع شخصية كاثرين، حيث صور ممارستها للقوة أحيانًا على أنها مجرد “تعقيد شخصي” بدلًا من معالجة المناطق الأخلاقية الرمادية لدورها كمرشدة وأستاذة.

 

 

مشاهد رئيسية تعكس موازين القوى

1. مشهد حفل العشاء: القوة كـ “أداء اجتماعي”
يعد هذا المشهد من أهم اللحظات التي تظهر فيها الفجوة بين عالمي البطلتين.
* اللغة البصرية: نرى كاثرين في عنصرها الطبيعي، محاطة بأقرانها من الأكاديميين، حيث تستخدم ذكاءها اللغوي لفرض سيطرتها على الجلسة. في المقابل، توضع جاكي في موقف “المُشاهد”، مما يبرز صغر سنها وقلة خبرتها في هذا الوسط.
* ديناميكية القوة: هنا، القوة هي “المعرفة”. كاثرين لا تكتفي بكونها شريكة جاكي، بل تظهر كـ “مرشدة” أمام الآخرين، مما يعزز التراتبية بينهما. الصمت الذي تُجبر عليه جاكي في هذا الوسط هو تمثيل مادي لعبء السرية الذي ناقشناه.

2. مشهد المواجهة النهائية: عندما ينهار “درع الأقدمية”
في نهاية الفيلم، تتغير نبرة الصراع تمامًا عندما تصبح شهرة جاكي هي المحرك الأساسي للأحداث.
* تبادل الأدوار: عندما يكتشف الزملاء علاقة كاثرين بجاكي (نجمة التلفزيون)، نرى كاثرين لأول مرة في حالة ذعر وفقدان للسيطرة. القوة التي كانت تستمدها من مكانتها الأكاديمية تتبخر أمام سلطة “الفضيحة” وشهرة جاكي.
* الانكسار العاطفي: في المواجهة الأخيرة، نلاحظ تحولاً في زوايا التصوير؛ جاكي تبدو أكثر ثباتاً واستقلالاً، بينما تبدو كاثرين مهزوزة بداخل جدران مكتبها/منزلها التي كانت تحتمي خلفها. هذا المشهد يثبت أن “السر” الذي كانت كاثرين تستخدمه كأداة سيطرة، أصبح هو السلاح الذي دمر استقرارها.


على مستوى المعالجة البصرية، يعتمد الفيلم على المساحات لتوضيح القوة، بداية من المساحات المغلقة (شقة كاثرين) حيث تملك كاثرين زمام الأمور وتضع القواعد.
مرورا بالمساحات المفتوحة (حرم الجامعة/مواقع التصوير) حيث تشعر كاثرين بالتهديد وتستعيد جاكي هويتها المستقلة.
إن هذا التباين يوضح للمشاهد أن القوة في هذه العلاقة لم تكن ثابتة قط، بل كانت تتأرجح بين “الخبرة المهنية” لكاثرين و”الجاذبية الجماهيرية” لجاكي.

 

تنتهي رحلة Bloomington ليس بانتصار الحب، بل بانتصار الواقعية على الرومانسية المفرطة. إن قرار الانفصال أو التباعد في نهاية الفيلم لم يكن مجرد نتيجة لصدفة أو “فضيحة”، بل كان اعترافاً ضمنياً بأن الأساس الذي قامت عليه العلاقة كان هشاً وغير متكافئ منذ البداية.

الدرس الأهم في نهاية الفيلم يكمن في نضوج “جاكي” وكسر حلقة التبعية، فبعد أن كانت تبحث عن الحماية والتقدير في كنف سلطة “كاثرين” الفكرية، أدركت أن كينونتها كشخصية مستقلة —سواء كطالبة أو كممثلة— لا يمكن أن تكتمل وهي تعيش في ظل شخص يخشى الارتباط بها علناً. النهاية هي إعلان استقلال جاكي من دور “التابعة” إلى دور “البطلة” في قصتها الخاصة.
بالنسبة لـ “كاثرين”، كانت النهاية درساً قاسياً في أن النفوذ المؤسساتي لا يوفر حصانة عاطفية. لقد حاولت استخدام سلطتها المهنية كدرع يحميها من الاقتراب العاطفي الحقيقي، لكنها مع سقوط جدار الحماية الأكاديمي، اكتشفت أن التمسك المفرط بالسيطرة يؤدي حتماً إلى العزلة.

يترك الفيلم المشاهد أمام تساؤل أخلاقي: هل يمكن للحب أن يزدهر في بيئة يسودها “السر”؟ الإجابة التي يقدمها العمل هي “لا”. فالعلاقات التي تُبنى على اختلال موازين القوى تظل محكومة بهاجس “الخسارة”؛ فطرف يخشى خسارة مكانته، وطرف يخشى خسارة هويته.

فيلم Bloomington ليس مجرد قصة عن علاقة عابرة، بل هو تحذير سينمائي من أن توازن القوى هو العمود الفقري لأي ارتباط صحي. عندما يتحول الشريك إلى “حارس بوابة” أو “مصدر للتهديد”، يفقد الحب معناه ويتحول إلى صراع للبقاء. لقد نجح الفيلم في جعلنا نشعر بتعقيد هذه المشاعر، دون أن يمنحنا حلولاً وردية سهلة، وهو ما يجعله عملاً باقياً في ذاكرة السينما المستقلة.
وفي النهاية، يعد فيلم Bloomington لوحة فنية لشخصين يحاولان إيجاد توازن قد لا يكون موجودًا في الواقع. إنه يوحي بأنه في أي علاقة تقوم على السرية والفوارق المهنية، هناك دائمًا طرف يمسك بزمام النفوذ، ونادرًا ما يكون هذا الطرف هو الشخص الأكثر غرقًا في الحب.