مهرجان كان 2026: فيلم “Mémoire de fille” لجوديث غودريش مواجهة سينمائية حارقة مع الذاكرة وثقافة الصمت
يشهد مهرجان كان السينمائي الدولي هذا العام عرضاً وثائقياً ضخماً يحبس الأنفاس، وهو فيلم “Mémoire de fille” (A Girl’s Story) للمخرجة والممثلة الفرنسية جوديث غودريش، والذي يُعرض ضمن الاختيارات الرسمية للمهرجان. ويعتبر العمل حدثاً سينمائياً وسياسياً بامتياز، إذ يأتي في وقت تعيش فيه السينما الفرنسية مرحلة مراجعة تاريخية كبرى لملفات الانتهاكات، ليمثل اعترافاً بقوة الفن كوسيلة للمواجهة والتغيير الاجتماعي.
استوحت غودريش عنوان فيلمها الطويل وفكرته من الرواية الشهيرة للكاتبة الفرنسية الحائزة على جائزة نوبل أني إرنو التي تحمل الاسم نفسه، لتبحر في قصة تتمحور حول مواجهة الذاكرة واستنطاق المسكوت عنه. يستكشف الفيلم فكرة “الفتاة المراهقة” التي يتم استغلالها وسلب براءتها تحت تأثير السيطرة النفسية والجسدية من قِبل رجال نافذين في قطاع الفن، ويمزج بين التجربة الذاتية لغودريش كضحية سابقة في مراهقتها، وبين شهادات حية وصادمة جمعتها من آلاف النساء اللواتي كسرن جدار الصمت.
لا يعتمد الفيلم على السرد التقليدي، بل يقدم معالجة سينمائية مبتكرة تعتمد على حوار الأجيال؛ حيث تلتقي غودريش مع شابات مراهقات من الجيل الحالي لتبحث معهن في مفاهيم السيطرة، والرضا، والحدود الفاصلة بين الإعجاب الفني والاستغلال. وتتقاطع في العمل السينما بالأدب عبر استخدام نصوص أني إرنو كخلفية فكرية لربط الماضي بالحاضر، والتأكيد على أن آليات صيد الضحايا لم تتغير عبر العقود، مما يمنح وجهاً وصوتاً لآلاف الرسائل المكتوبة محولاً إياها إلى صرخة جماعية في وجه المنظومة.
من “Moi aussi” إلى “Mémoire de fille”.. امتداد لحراك لا يتوقف
يعتبر هذا الفيلم الامتداد السينمائي الأكبر والأعمق للمشروع الذي بدأته غودريش في الدورة السابقة للمهرجان عبر فيلمها القصير “Moi aussi” (Me Too). في ذلك العمل الذي بلغت مدته 17 دقيقة وافتتح فئة “نظرة ما”، ركزت غودريش على تجسيد أصوات 1000 شخص من الضحايا الذين استجابوا لدعوتها المفتوحة بعد أن تلقت أكثر من 5000 شهادة مؤلمة. وتميز الفيلم السابق باعتماده على الكوريغرافيا والرقص التعبيري كوسيلة لتهدئة “الصدمة الجسدية” وتحويل الوجع الفردي الصامت إلى تضامن جماعي في شوارع باريس بمشاركة ابنتها “تيس بارتليمي”، ليكون ذلك الفيلم القصير بمثابة الشرارة الأولى التي مهدت لفيلمها الطويل الحالي، ودفعت بالبرلمان الفرنسي لتشكيل لجان تحقيق لحماية القاصرين في قطاع الفنون.

