مهرجان “كان”.. رحلة الجحيم اليومي من طوابير الفجر إلى أفلام منتصف الليل
منذ تفشي جائحة كورونا وما تلاها من تغييرات في المنظومة التنظيمية للمهرجانات السينمائية، نال مهرجان “كان” النصيب الأسوأ من هذه التعديلات العشوائية. لم يعد الأمر مقتصرًا على الاستيقاظ الإجباري قبل السابعة صباحًا لخوض معركة رقمية شرسة لحجز التذاكر ضد خمسة آلاف شخص، بل يمتد الشقاء إلى الوقوف تحت لهيب الشمس أو انهمار المطر لـ 40 دقيقة كاملة قبل العرض، لتضمن لنفسك مقعدًا مقبولاً داخل قاعات ضيقة ومحدودة. لقد فشلت فكرة “الحجز الإلكتروني” تمامًا؛ فلم تقضِ على الطوابير كما زعموا، بل ضاعفت التكدس لأن الإدارة لم تطبق نظام المقاعد المرقمة، وتركت الأمر لعشوائية “من سبق لبق”.
في المقابل، يمتلك مهرجان “فينيسيا” رؤية أكثر إنسانية واحترامًا لضيوفه؛ إذ يتيح حجز تذاكر عروض تسعة أيام كاملة مسبقًا وأنت مسترخٍ في منزلك، وضمن مواعيد منطقية لا تجبرك على الاستيقاظ فجرًا لمشاهدة فيلم يبدأ في الظهيرة! أما مهرجان “كان” فبغروره المعهود ورفضه التعلم من جاره الإيطالي، يُصر على نظام الحجز اليومي المنهك. والمفارقة الكوميدية في نظامه الرقمي “العبقري” أنه يسمح للشخص بحجز تذاكر متعددة لنفس الفيلم في مواعيد مختلفة، أو حجز عروض متداخلة في نفس التوقيت دون أي تنبيه، مما يدفع الكثيرين لاحتكار التذاكر حتى اللحظة الأخيرة ثم حرمان الآخرين منها! يبدو أن هذه العبقرية الفوضوية تشبه تمامًا نظام السير الفرنسي الذي يمنح السيارات الحق في دهسك حتى وأنت تعبر من الأماكن المخصصة للمشاة والإشارة خضراء!
ولم يتوقف التراجع عند التنظيم، بل امتد للمحتوى الفني تلبيةً لضغوط الموزعين والمنتجين. فقد أُلغيت العروض الخاصة بالصحافة التي كانت تقام قبل العرض الرسمي بيوم، ليصبح العرض الصحفي متزامنًا مع العرض العام أو بعده. هذا التعديل الغريب أجبرنا على مشاهدة أفلام المسابقة الرسمية في أوقات غير إنسانية، مثل الحادية عشرة مساءً، لترحل من القاعة بعد الواحدة صباحًا، وعليك أن تصحو قبل السابعة لإعادة الكرّة!
والطامة الكبرى تتجلى في حشد كم هائل من الأفلام الهابطة فنيًا لإرضاء المنتجين، أو لملء “كوتة” التنوع والتمثيل المفروضة (سواء للمخرجات النساء أو قضايا المثليين)، لننتهي بمشاهدة أعمال سينمائية رديئة غارقة في تصوير بؤس العلاقات الزوجية أو لوعة الحب المثلي دون أدنى قيمة إبداعية.
لقد تحول جدول الصحفيين المريح (الذي كان يتسع لثلاثة أفلام في أوقات مناسبة) إلى جحيم؛ فعليك المشاهدة في وقت الراحة (الثالثة عصرًا)، ثم العودة مجددًا في العاشرة أو الحادية عشرة ليلاً لأفلام تمتد لثلاث ساعات!
كل هذا الركض، والانتظار، والارتباك يتضاعف بسبب المدير الفني “تييري فريمو” الجاثم على صدر المهرجان منذ ربع قرن ويرفض الاعتزال. يعشق فريمو استعراض نجوميته عبر تقديم صناع أفلام مسابقة “نظرة ما” (وهو اسم سخيف لا معنى له) بأسلوب يشبه مقدمي ملاهي السهر الليلية، وسط تصفيق هستيري من جمهور سينمائي جاهل يصفق لكل شيء؛ يصفق لشعار المهرجان، ويصفق لويدجيت شركات الإنتاج!
بين استفاقة فجرية، وتنقل منهك، ومواعيد سيئة، وأفلام رديئة تدفعك للانسحاب منتصف العرض ندمًا على وقتك الثمين، أجد نفسي اليوم كارًها لهذا النظام العقيم، ولهذا الهوس الأمني المبالغ فيه بالتفتيش، بل ولكل ما يمثله مهرجان “كان”. لقد حان الوقت للتوقف عن إهدار المال والجهد والوقت في هذا العبث.
أنا الآن أعد الساعات والدقائق، بانتظار رحيل قطاري صباح السبت عن هذا المكان… بلا عودة.

