موسيقى

محمد محيي.. رهان “الكيف” في زمن “الكم” ومغامرة التغريد خارج السرب

تتعامل الساحة الجماهيرية اليوم مع الفنان محمد محيي بوصفه مخزوناً إبداعياً واستثنائياً يُستدعى كلما جرف التيار التجاري ملامح الأغنية، ليتذكر الجميع أن هناك صوتاً امتلك يوماً قدرة فائقة على صياغة الدهشة وتحليقاً حراً خارج السرب الموسيقي السائد. ورغم هذه المكانة وتلك المؤهلات، يصر محيي على ممارسة الغياب والتعامل مع المشهد الفني بأسلوب الخطوات المتباعدة، مراهناً بشكل دائم على وفاء جمهور يرى أنه سيجده في انتظاره مهما طال الغياب.

هذه الاستراتيجية باتت نمطاً راسخاً في مسيرة محيي الفنية؛ إذ تلخصت نتاجاته في تسعة ألبومات فقط على مدار ثلاثة عقود، إلى جانب مشروع أخير لم تتضح بعد مصائر بقية أعماله. ويعد هذا المعدل الإنتاجي ضئيلاً جداً مقارنة بأبناء جيله، لكنه يترجم بوضوح انحياز محيي المطلق للقيمة الفنية والجودة على حساب التواجد العددي والانتشار.

البدايات والتمرد الإنتاجي

شهدت أروقة شركة “صوت الدلتا” المحطات الفنية الأولى لمحيي، حيث صقل موهبته عبر الغناء الجماعي وإعادة تقديم بعض نجاحات الشركة الإنتاجية مثل أغنية “ميال”. ومع تباطؤ الشركة في إنتاج ألبوم مستقل له، وغياب صيغة “الألبومات المشتركة” في سياستها الفنية، حزم محيي أمتعته متجهاً نحو شركة “هاي كواليتي” الصاعدة آنذاك، والتي كانت تبحث عن دماء جديدة تقتحم بها سوق الأغنية الشبابية المهيمنة.
امتلك محيي هوية فنية مستقلة جعلته يبحث عن التجديد والتميز دون الالتفات للسائد في المشهد. ورغم أن إطلالته الرسمية الأولى “ع البال والخاطر” حملت توقيع صانع النجوم الموزع “حميد الشاعري”، فإنه رفض البقاء داخل تلك العباءة الموسيقية، وقرر شق مسار خاص مستعيناً بالفنان حسام حسني، الذي كان يعيش وقتها ذروة نجاحه بعد ألبوم “لولاش”.

هندسة الشجن والمشروع المستقل

كشفت الخطوات الأولى لمحيي في ألبومات مثل “أنا حبيت” و”ليه الحبيب” عن ملامح مشروع غنائي ناضج، يرتكز على انتقاء الكلمة وتنوع الموضوعات، من خلال التعاون مع أبرز شعراء تلك المرحلة كعنتر هلال، ومحمد فضل، وعبد الرحمن أبو سنة، ومصطفى زكي. وتوازى هذا الاهتمام مع حرص بالغ على جودة الجملة اللحنية، لدرجة خوضه تجربة التلحين بنفسه.

أظهر محيي خلال هذه المرحلة وعياً كبيراً بالتراث الموسيقي المصري؛ فلم يتردد في إعادة إحياء أعمال قديمة برؤية عصرية مثل “بعتب عليك” و”ياريت”، وأغنية “أنا حبيت” التي اتضح لاحقاً أنها لحن أصيل للفنان سعيد صالح كان قد قدمه في إحدى مسرحياته. لقد بدا محيي مغايراً لمعاصريه: بسيطاً في ظهوره المصور، وصاحب نبرة صوت شجية تمتلك قدرة تعبيرية فائقة تؤثر في الوجدان وتتفوق على أصوات قد تفوقه في المساحة أو القوة.

 

قفزة الجماهيرية وصناعة الهوية

جاء الألبوم الثالث “أعاتبك” ليمثل القفزة الجماهيرية الكبرى لمحيي. وتمثلت المجازفة الصحفية والفنية هنا في اختيار أغنية رئيسية تفيض بالشجن والدراما لتكون واجهة الألبوم، على عكس السائد في ذلك التوقيت من أغنيات صيفية خفيفة، وهي السمة الفنية التي التفت حول مسيرته وصنعت هويته الفنية طويلاً.

وواصل محيي التنقيب في الأرشيف الغنائي ليقدم “حتى الهوى” من كلمات سمير محبوب ولحن علي رضا، وأعاد صياغة ألحان فلكلورية مثل “حبينا” و”تعبان”، إلى جانب تعاونه مع المطرب علاء عبد الخالق كملحن في أغنية “صغير السن”. وتولى محيي قيادة مشروعه بالكامل، مدعوماً بأفكار الشاعر عنتر هلال وتوزيعات حسام حسني، الذي اعتمد على الوتريات والآلات الحية بدلاً من الاعتماد المطلق على الموسيقى الإلكترونية، مما أسس للقاعدة الجماهيرية الوفية التي باتت تنتظر أعماله.

 

كسر النمط والمغامرة الإبداعية

استمر هذا التدفق الإبداعي في ألبوم “روح قلبي”، الذي حمل جرأة واضحة مع الحفاظ على قوام المشروع الأصلي؛ فبين أغنية رئيسية شجية مثل “أهل الملامة”، والتعاون مع الشاعر الكبير أحمد فؤاد نجم في “الصبر جميل”، قدم أغنية مواكبة لأجواء الصيف، لينتقل بعدها إلى قالب الجاز في أغنية “حلوة الحياة” التي شهدت الإطلالة الأولى للموزع الموسيقي الشاب “فهد” في مغامرة فنية جريئة ومبكرة.
ولم تقل جودة الوجه الثاني للألبوم جرأة، إذ دمج في أغنية “ما اتمنيت” بين البعد العاطفي والإنساني، وتعاون مع الشاعر مرسي السيد في أغنية “نداء” لتقديم معالجة صادمة ومبتكرة لمفهوم الخيانة بمفردات تفوقت على جرأة العصر. كما قدم دويتو مميزاً مع المطربة داليا في “قلبي عليك” من ألحان الفنان الليبي ناصر المزداوي في بدايات ظهوره بمصر، ليتوج الألبوم بالعمل البديع “روح قلبي” الذي مثل عودة أصيلة للقالب الكلاسيكي وبناء موسيقي ثري وقعه الموزع محمد عرام.