مهرجان الإسكندرية السينمائي: عندما تتحول الشاشة إلى سراب والسينما إلى “أسبوع مصيف”
تتكرر في الموعد نفسه من كل عام حالة من السجال الحاد وتبادل الاتهامات بين أعضاء الجمعية المصرية لكتاب ونقاد السينما حول آليات إدارة مهرجان الإسكندرية السينمائي لدول البحر المتوسط. هذا الجدل الذي كان يُدار خلف الأبواب المغلقة في الماضي، بات اليوم مشاعاً علنياً، حيث يستدعي الجميع نغمة المؤامرة، والحديث عن التهديدات التي تطال “القوة الناعمة” و”الدور الثقافي الريادي لمصر”.
المفارقة الكبرى: احتفالية سينمائية بلا شاشات ولا جمهور
إذا أردنا تفكيك الأزمة، يجدر بنا البدء من التساؤل الجوهري الذي يتحاشى الكثيرون طرحه: أين هي الأفلام؟
إن الجوهر الحقيقي لأي مهرجان سينمائي يكمن في العروض الحية والجمهور المتفاعل، لكن المشهد في الإسكندرية يبدو مغايراً تماماً؛ إذ تغيب الأعمال السينمائية أو تُعرض على استحياء داخل قاعات فندقية مغلقة أمام مقاعد خالية تماماً من الحضور، في معزل تام عن المدينة وأهلها الذين لا يعلم معظمهم بوجود المهرجان من الأساس. وحين يغيب العرض السينمائي والجمهور، لا يتبقى من المهرجان سوى لافتته الاسمية.
سد الفراغ: تضخم الندوات وكشوف المجاملات
أمام غياب المادة السينمائية المعروضة، يتم اللجوء إلى ملء الجدول الزمني عبر التوسع المفرط في الأنشطة الهامشية؛ حيث يشهد المهرجان تكديساً غريباً للأرقام، كإقامة سبع عشرة ندوة ومائدة مستديرة خلال ثلاثة أيام فقط! هذا التكثيف لا ينبع من حاجة ثقافية حقيقية، بل يأتي بغرض توزيع المناصب والرئاسات الشرفية لإرضاء الأطراف المختلفة، مما يطرح سؤالاً بديهياً: متى يتاح للضيف أو الناقد مشاهدة الأفلام والكتابة عنها في ظل هذا الجدول المزدحم؟
ولا تتوقف العبثية عند هذا الحد، بل تمتد إلى قوائم المدعوين التي تحولت إلى ما يشبه كشف حساب للعلاقات الشخصية والمصالح المتبادلة، لتضم أسماءً لا صلة لها بصناعة السينما، مثل نقيب فنانين غير معترف به في بلده يتم استضافته برفقة عائلته ومرافقيه، في هدر واضح للمال العام تحت بنود مبهمة. إن هذه الاستضافات لا تعبر عن تكريم حقيقي للإبداع، بقدر ما تعكس صيغة للمنفعة المتبادلة تختصرها مقولة “مهرجني وأمهرجك”.
التكريمات المتكررة واختلال الهوية الجغرافية
يفقد التكريم قيمته المعنوية عندما يتحول إلى روتين سنوي يمنح للأسماء نفسها؛ فالمهرجان يتبنى آلية غريبة تعيد تكريم الضيف مراراً، لدرجة عرض لقطات من تكريم الفنان دريد لحام في دورة سابقة خلال ندوة تكريمه الجديدة! كما يتضخم عدد المكرمين في الدورة الواحدة ليتجاوز عشرة أشخاص، مما يفقد الجائزة تميزها.
من جهة أخرى، يبرز تخبط واضح في هوية المهرجان المخصصة رسمياً وفق ترخيصه لـ”أفلام دول البحر المتوسط”، حيث تم استحداث مسابقات للأفلام العربية لا تتماشى مع الإطار الجغرافي المحدد له. وتصل هذه المفارقة ذروتها بالاحتفاء المتكرر بصناع سينما من دول لا تطل على المتوسط كـ “سلطنة عمان”، مما يثير التساؤل حول مدى مرونة الحدود الجغرافية لدى إدارة المهرجان.
واقعة “الخنجر المُهدى” وغياب الدور الرقابي
تجسدت ذروة التخبط الإداري في واقعة ختام مهرجان وهران الدولي عام 2016، عندما قدم رئيس مهرجان الإسكندرية، الأمير أباظة، درعاً تكريمياً للرئيس الجزائري الراحل عبد العزيز بوتفليقة، تمثل في “خنجر عماني” داخل علبة تحمل الشعار السلطاني؛ وهو الهدية ذاتها التي كان قد تلقاها أباظة قبل أشهر في مهرجان مسقط السينمائي.
أثارت هذه الهدية المستعملة موجة استنكار واسعة بين الإعلاميين والسينمائيين العرب على منصات التواصل الاجتماعي، مما فتح الباب للتساؤل عن مبررات قيام رئيس مهرجان سينمائي بدور ديبلوماسي أو سياسي بهذا الشكل، وعن سبب استمراره في منصبه بعد هذه الحادثة الفضيحة.
وفي ظل هذا المشهد، يظل التساؤل قائماً حول دور وزارة الثقافة ولجنة المهرجانات. فالوزارة تكتفي بتقديم الدعم اللوجستي كأجهزة العرض والظهور في الصور التذكارية بـحفلي الافتتاح والختام، دون ممارسة أي دور توجيهي أو رقابي حقيقي. وفي المقابل، تمارس لجنة المهرجانات تضييقاً مالياً على فعاليات ناجحة وجماهيرية تحظى بإقبال الآلاف مثل “مهرجان الإسكندرية للفيلم القصير” أو “مهرجان الفيوم”، بينما تتدفق الميزانيات لصالح المهرجانات ذات المقاعد الفارغة.
استدامة المناصب وسلبية الجمعية العمومية
جدد مجلس إدارة الجمعية المصرية لكتاب ونقاد السينما ثقته في الأمير أباظة رئيساً للمهرجان لدورته الثانية والأربعين، وللسنة الثالثة عشرة على التوالي، بأغلبية سبعة أصوات ضد صوتين، مما فجّر الخلافات علناً على منصات التواصل الاجتماعي بينه وبين أعضاء معترضين في مجلس الإدارة.
وكالعادة، يتم جبه أي محاولة للمساءلة أو الإصلاح باتهامات “الخيانة” واستهداف المكانة الثقافية للدولة. أما أعضاء الجمعية العمومية، فيبدو أن معظمهم ينظر إلى المهرجان كفرصة لـ”أسبوع مصيف سنوي” مدفوع التكاليف في ظل موجات الغلاء، مما يجعلهم بعيدين عن الرغبة في التغيير، لتظل الساحة ساحة صراع على المكتسبات والمناصب، بينما تظل السينما والجمهور الحقيقي هما الغائب الأكبر.

