اخر الأخبارمقالات

الجريمة الفنية المكتملة.. من ينقذ شيرين عبد الوهاب من حظيرة تجارب عزيز الشافعي

الحقيقة الفجة التي يجب أن نواجهها جميعاً دون مواربة هي أن ما يحدث مع النجمة شيرين عبد الوهاب في الآونة الأخيرة ليس مجرد كبوات فنية عابرة، بل هو جريمة مكتملة الأركان في حق تاريخها وقيمتها، جريمة تتطلب وقفة حاسمة من كل حريص على الفن العربي. لسنوات طويلة، عشنا وقتاً مأساوياً نطلق فيه صيحات الاستغاثة لإنقاذ شيرين من أزماتها الشخصية وصراعاتها المعروفة، ولكن يبدو أننا اليوم أمام فصل جديد ومباغت من المأساة، يعيدنا إلى مربع الاستغاثة الأول، ليصبح النداء الملحّ هذه المرة هو إنقاذ شيرين من وصاية عزيز الشافعي الفنية.

 

من صانع البهجة إلى هدم الهوية

 

ورغم اعترافي الدائم وتقديري لعزيز الشافعي كأحد أبرز صناع الموسيقى على الساحة الحالية بعد تراجع الكبار، ودوره المشهود في استعادة بريق الأغنية الطربية وقت سيطرة موجة المهرجانات، إلا أن ما يقدمه مع شيرين حالياً يمثل كارثة فنية بكل المقاييس. إن العملية الحالية تشبه تماماً الاستيلاء على أرض تحوي قصراً عريقاً بهدف تحريره، لترتسم النتيجة النهائية في تحويل هذا القصر إلى خرابة. للأسف، تحول الثنائي عزيز الشافعي وتوما إلى أدوات تملأ أرشيفها الخاص باسم شيرين، بينما يقومان توازياً بتدمير هذا الاسم باختيارات وتنفيذ لا يليق بمكانتهما، ولا يناسب قيمة وتاريخ النجمة الكبيرة، حيث تحول الشغل الشاغل إلى مجرد دعاية لأغنيات استهلاكية، فارغة المضمون، ومهينة للمستقبل الفني لصاحبة “آه يا ليل”، لتصبح العودة المنتظرة مجرد دخان بلا كفتة.

 

صناعة النجم.. بين زمن الكبار والزمن الحالي

لقد كشفت الأغنيات الأخيرة لشيرين الفارق الشاسع والسنوات الضوئية بين أن تشتغل للنجم وبين أن تشتغل لمجرد التواجد مع النجم. في الماضي, كان الصناع والمنتجون الكبار يضعون مصلحة الفنان في المقام الأول، فيختارون ما يناسب صوته والتوقيت الذي سيُطرح فيه العمل، وكم من أغنية رفضها مطرب واحتضنها المنتج برؤيته الثاقبة لتصبح علامة فارقة، والعكس صحيح، كم من فكرة تحمس لها نجم ورفضها صانع محنك لأنها لا تليق باسمه، فهكذا تُبنى الصناعة، وهكذا صُنعت أمجاد عمرو دياب، ومحمد فؤاد، ومحمد رحيم، وسميرة سعيد، بل وشيرين نفسها في بداياتها.
أما اليوم، فإن الفارق بين عباقرة الأمس والوضع الراهن يتلخص في اختبار الزمن، حيث كانت أغاني شيرين القديمة تُسمع اليوم وكأنها صُنعت بالأمس وتحفظها القلوب عن ظهر قلب، فبمجرد أن تتذكر جملة مثل “قال صعبان عليه وبيطمن عليا” تجد نفسك تسرد الأغنية بإحساسها الكامل، ومثلها “أنا كتير”، “لازم أعيش”، أو تتر مسلسل “مشاعر”. في المقابل، تأتي أغاني شيرين الجديدة لتسمعها مرتين وتمُر عليها مرور الكرام، فلا يعلق بذاكرتك سوى إيفيه أو جملة سينيو متكررة، سرعان ما تطحنها أغنية جديدة أخرى، وإذا قارنتم مثلاً بين “على بالي” وبين “تباعاً تباعاً” القائمة على فكرة مستهلكة تشبه “هو ده اللي كان ناقصني” فلن تتذكروا من الجديدة بيت شعر واحد.

 

طلاسم بصرية وضيق تنفس فني

ولا تتوقف الأزمة عند الكلمات والألحان، بل امتدت للاختيارات الغريبة التي تصيب الجمهور بالصدمة وضيق التنفس، فما هذه الأغنية التي تحمل اسم “بحرية”؟ وما هذا التصميم البصري الرديء الذي كُتبت به الكلمات، لدرجة أن أحداً لم يفهم كنهها إلا بعد سماعها؟ إنها فذلكة بصرية تتماشى مع فذلكة الموضوع، وتطرح سؤالاً مشروعاً حول سبب تصعيب الأمور علينا وعلى الفن. لقد كُتب سابقاً وأُعيد اليوم إن الوحيد الذي يملك الشفرة الحقيقية القادرة على إنقاذ شيرين وإعادتها إلى قمة الهرم الفني هو منتجها وأبوها الروحي نصر محروس، لكن يبدو، وللأسف الشديد، أن الرجل قد فقد الشغف أو الأمل في وسط الأجواء المشحونة الحالية.

معضلة “نمبر ون” والهروب من النقد

إن الأزمة الحقيقية لعزيز الشافعي لا تكمن في اختياراته السيئة أو تراجع المنحنى الإبداعي لكلماته مؤخراً، فكل هذه عيوب يمكن تداركها وإصلاحها، بل إن الأزمة الكبرى تكمن في رفضه التام للاستماع. إن من يحب فناناً أو مبدعاً يجب أن يواجهه بالحقائق لمصلحته، ومن يحترم جمهوره يتوجب عليه التروي ومراجعة الآراء المتكررة والمشتركة، لا أن يواجه كل نقد سلبي بالبلوك والتباهي الفج بأنه لا يسمع لأحد، مدعياً صدارة الساحة الفنية بمفهوم نمبر ون الواهي، دون أن يتعظ ممن سبقوه وسقطوا من هذه القمة الزائفة. وحتى لا تقتصر العدوى على شيرين، يبدو أن الوباء الفني يمتد لغيرها، فما الذي يحدث مع الفنان محمد حماقي، ومن لمون نعناع إلى شاي وكشري في بلكونة بحرية سكة، ما الذي جرى لإبداعك الفني بعد أن كنت في أوج تألقك ورصانتك الموسيقية؟

 

الخلاصة
منطلق الحب والإيمان بالموهبة يفرض علينا أحياناً أن نكون قساة على من نرى أنه يدمر نفسه وتاريخه، لذلك نوجهها صيحة تحذير أخيرة لصناع هذه المرحلة قائلين: ارفعوا أيديكم عن شيرين عبد الوهاب، ارحموها واتركوها بسلام. إن لم تغنِّ شيرين مجدداً، وإن لم تعد للساحة، فليكن ذلك، على الأقل ستبقى صورتها ناصعة ومحفوظة في قلوب وعقول جمهورها، بدلاً من تشويه أرشيفها الغنائي بأعمال لن يرحمكم التاريخ، ولا المستقبل، على تقديمها.