اخر الأخبارمقالات

سيكولوجية الجدران: كيف تحولت عقيدة “الأثرياء الجدد” في مصر إلى إقصاء وعنف رمزي يلتهم الفضاء العام؟

في عمق التحولات الاجتماعية التي تعصف بالمجتمع المصري، تتبدى ظاهرة سلوكية شديدة الغرابة، لعلها لا تجد مثيلاً لها في أكثر العواصم الرأسمالية شراسة؛ وهي تحوّل “منع انبساط الآخرين” إلى شرط رئيسي، وربما وحيد، لتحقيق الراحة النفسية والانبساط لدى طبقة الأثرياء الجدد. إننا لا نتحدث هنا عن فوارق طبقية تقليدية تفرضها آليات السوق، بل عن “ولع حقيقي” بتقسيم الفضاء العام وهندسته بنيوياً وسلوكياً بناءً على حجم المحفظة المالية، في محاولة دؤوبة لتأطير الوجود الإنساني في مربعات منعزلة.

يتجلى هذا العطب الاجتماعي بأبهى (أو أقبح) صوره في الهندسة المعمارية الحديثة للمدن المغلقة؛ حيث نجحت منظومة “الكومباوندز” في مصر في ابتكار نظام فرز طبقي مركب. لم يعد السور فاصلاً بين عالمين (أغنياء وفقراء)، بل تحول إلى أداة لتقسيم الداخل نفسه؛ فالمواطن الذي اشترى شقة داخل المجمع السكني الفاخر، يُحرم سيكولوجياً وقانونياً من حق السير أو التنزه في المساحة المحيطة بمنطقة “الفيلات” داخل المجمع ذاته. إنه هوس العزل الذي لا ينتهي، حيث يصبح الامتياز غير مكتمل إلا إذا رُفعت في وجه الآخر لافتة “ممنوع الدخول”.

إذا ما قارنا هذا الواقع بمدينة رأسمالية عريقة مثل واشنطن دي سي، سنلمس حجم المأزق؛ فهناك، يمكن لشخص بلا مأوى أن يفترش الرصيف محاذياً لأغلى القصور في العاصمة الأمريكية، ويمكن لمن لا يملك سوى عشرة دولارات أن يقضي سهرته في أحد أرقى الأماكن دون إجبار على حد أدنى للطلب، كما تتوفر الملاعب المفتوحة للجميع دون تفريق. في تلك المجتمعات، تحمي الرأسمالية حقك في التملك، لكنها لا تمنحك حق امتلاك الفضاء البصري أو الإنساني للآخرين. أما محلياً، فيبدو أن السؤال الذي يلاحق الفرد في كل لحظة هو: “كم تملك لتثبت أنك تستحق الوجود هنا؟”

تحليلياً، لا يمكن اختزال هذا السلوك الإقصائي الفج تحت لافتة “الرأسمالية” فحسب، بل هو انعكاس لأزمة نفسية جماعية أعمق. يمكن تفسير هذا النزوع إلى العزل المفرط عبر سيكولوجية “النرجسية الطبقية” والآليات الدفاعية النفسية؛ فالأثرياء في مجتمع يعاني من انسداد المسارات السياسية والاجتماعية الشاملة، يلجأون إلى “الحلول الفردية”. هذه الحلول ليست مجرد وسائل لتأمين الرفاهية، بل هي قنوات لتفريغ عدوانية شديدة تجاه المجموع (الجموع غير القادرة على تراكم الثروة).

من منظور التحليل النفسي، يعاني هذا السلوك من “قلق التهديد المستمر”؛ حيث يشعر الثري أن نفوذه وامتيازه لا يتحققان عبر الاستمتاع الذاتي، بل عبر “التميّز بالإقصاء”. إن رؤية شخص “أقل مالاً” وهو يشارك ذات الفضاء أو يبتسم في نفس البقعة، تُفسَّر لاوعياً على أنها تهديد لقيمة الامتياز الذي دُفعت فيه الملايين. هنا يصبح النكد المفروض على الآخر هو الوقود النفسي المولد للشعور بالأمان والراحة للطبقة المهيمنة.

إن مصر تعيش اليوم مأزقاً اجتماعياً ونفسياً يتجاوز مجرد فجوة الأجور؛ إنه تحول الفضاء المشترك إلى ساحة معركة هادئة، يُستخدم فيها السور والأمن الخاص والبلطو الأبيض كأدوات “عنف رمزي” لخلع الشرعية الإنسانية عن كل من لا يملك بطاقة ائتمان كافية للعبور.