طُعم تسويقي أم شراكة أفلاطونية؟ مسلسل Hacks ومواجهة اتهامات الـ Queerbaiting
في العصر الذهبي للمنصات الرقمية، لم يعد تقييم الأعمال التلفزيونية يقتصر على جودة الإخراج أو براعة الأداء الفكاهي، بل امتد ليشمل تفكيك الرسائل المبطنة وطبيعة التمثيل الاجتماعي. ومن بين أكثر الأعمال التي أثارت جدلاً نقدياً واسعاً في السنوات الأخيرة، يأتي المسلسل الكوميدي الحائز على الجوائز Hacks، وتحديداً حول مفهوم السرد المثير للجدل المعروف بـ “الـ Queerbaiting” او (اصطياد الكويريين).
هذا التقرير يغوص بشكل تفصيلي في أبعاد هذا الاتهام، مستنداً إلى التحليلات الصحفية الغربية ومواقف صناع العمل والجمهور.
أولاً: تفكيك المفهوم.. ما هو “الـ Queerbaiting” في العرف الدرامي؟
قبل الخوض في حالة Hacks، لا بد من فهم الجذور الهيكلية للمصطلح. يُعرَّف الـ Queerbaiting بأنه تكتيك تسويقي وسردي يعتمد فيه الكُتّاب وصناع العمل على إدراج تلميحات، نظرات، غيرة، أو لغة جسد تحمل “توتراً رومانسياً أو جنسياً مبطناً” بين شخصيتين من نفس الجنس.
الهدف الأساسي من هذا التكتيك هو جذب واستهداف جمهور مجتمع الميم (LGBTQ+) لضمان متابعتهم وولائهم للعمل، ولكن مع الحفاظ — عمداً — على ضبابية هذه العلاقة وعدم تحويلها أبداً إلى مسار رسمي وصريح داخل النص، خوفاً من خسارة الجمهور الأكثر تحفظاً أو شبكات التوزيع التقليدية.
ويرى النقاد في هذا السلوك نوعاً من “الاستغلال التجاري” الذي يمنح وعوداً وهمية للمشاهدين دون تقديم تمثيل حقيقي.

ثانياً: لماذا وُجهت أصابع الاتهام إلى مسلسل “Hacks”؟
لم يكن مسلسل Hacks بعيداً عن هذا الرصد النقدي؛ فالكيمياء الطاغية والتفاعل المعقد بين شخصية أسطورة الكوميديا “ديبورا فانس” (جين سمارت) والكاتبة الشابة “إيفا دانيلز” (هانا اينبيندر) دفعا قطاعاً واسعاً من المتابعين والصحفيين لطرح تساؤلات حادة حول طبيعة هذا الرابط. وتلخصت أسباب الاتهام في عدة نقاط جوهرية:
ديناميكية “التوتر المكتوم” (Romantic Tension):
لاحظ العديد من النقاد أن طريقة كتابة المشاهد بين ديبورا وإيفا تتجاوز علاقة “المعلمة والمتدربة” أو الصداقة العادية؛ فالغيرة المهنية والشخصية الشديدة، والاعتماد العاطفي المتبادل، مضافاً إليها نظرات العيون المليئة بالشغف، كلها عناصر تتبع تاريخياً قالب “التوتر الرومانسي المكتوم” الذي يسبق اعتراف الحبيبين في المسلسلات التقليدية.
توظيف مجاز “المواعدة الزائفة” (Fake Dating Trope):
في نقطة تحول درامية، كتب صناع العمل حبكة تضطر فيها ديبورا وإيفا للتظاهر بأنهما “حبيبتان” خلال عطلة نهاية الأسبوع للهروب من موقف اجتماعي معين. هذا المجاز يعد الأيقونة الأشهر في الروايات والمسلسلات الرومانسية (Rom-Coms). اعتبر قطاع من الجمهور أن إقحام هذا التكتيك بالتحديد هو “طُعم صريح ومباشر” للعب بمشاعر المشاهدين واصطياد حماسهم.
التماهي بين كواليس الواقع والنص:
لعب السلوك العفوي للنجمتين جين سمارت وهانا اينبيندر في المحافل العامة دوراً في تغذية هذه التكهنات؛ فتبادلهما القبلات العفوية على الخد، وإمساكهما بأيدي بعضهما طوال الحفلات، والتصريحات العاطفية الجياشة في خطابات الجوائز، جعل الخط الفاصل بين حقيقة الممثلتين وخيال الشخصيتين يتلاشى، واستغلته بعض المقالات للتسويق للفكرة.

ثالثاً: جبهة الدفاع.. لماذا يرى النقاد أن “Hacks” بريء من هذه التهمة؟
في المقابل، شهدت الصحافة الفنية الكبرى (مثل The Hollywood Reporter وDeadline) موجة تحليلات مضادة دافعت بقوة عن المسلسل، وفككت اتهام الـ Queerbaiting معتبرة إياه إسقاطاً خاطئاً لا يتناسب مع بنية العمل، وذلك بناءً على المعطيات التالية:
1. وجود “تمثيل كويري حقيقي وصريح”
الـ Queerbaiting يقع عندما يخشى العمل تقديم شخصيات كويرية علنية؛ لكن في Hacks، هوية “إيفا” كشابة ثنائية الجنس (Bisexual) هي ركيزة أساسية في النص منذ الحلقة الأولى، ولها علاقات عاطفية وجنسية واضحة ومكتوبة مع نساء ورجال خلال المواسم، كما أن هناك شخصيات رئيسية أخرى (مثل مدير الأعمال ماركوس) تنتمي علناً للمجتمع الكويري. بالتالي، العمل لا يحتاج للاختباء وراء “الطُعم” لأنه يقدم تمثيلاً حقيقياً ومباشراً بالفعل.
2. إعادة تعريف “قصة الحب الأفلاطونية” (Platonic Soulmates)
أوضح صناع المسلسل (لوتشيا أنيلو، بول داونز، وجين ستاتسكي) في مقابلات متعددة رؤيتهم السردية؛ مؤكدين أن العمل هو بالفعل “قصة حب”، ولكنها قصة حب غير جنسية وغير رومانسية بالمعنى التقليدي. إنها قصة “شراكة فنية وإنسانية مقدسة” ورابطة “إنقاذ متبادل” بين امرأتين غيرت كل منهما حياة الأخرى. ورأى النقاد أن المسلسل يثبت أن الروابط الإنسانية يمكن أن تكون بعمق الجبال دون الحاجة لتقطيرها في قالب عاطفي تقليدي لتكون ذات قيمة.
3. ردود هانا اينبيندر الذكية والمباشرة
تفاعلت هانا اينبيندر (وهي كويرية في حياتها الواقعية وتفهم هذه المصطلحات جيداً) مع رغبة الجمهور العارمة بذكاء شديد؛ فلم تنكر شدة الكيمياء، بل صرحت بمرونة وتفهم لشغف المعجبين، مؤكدة في الوقت ذاته أن قوة علاقة ديبورا وإيفا تكمن في كونها علاقة فريدة من نوعها تتجاوز التصنيفات الرومانسية الضيقة.
ينتهي النقاش الصحفي حول مسلسل Hacks إلى أن العمل لم يسقط في فخ الـ Queerbaiting الرخيص، بل نجح في ارتقاء منصة النقد الذكي. لقد قدم المسلسل معالجة درامية معاصرة تثبت أن توليد “التوتر العاطفي” الشديد بين امرأتين يمكن أن يُستغل لصناعة شراكة إنسانية وفنية مذهلة، بدلاً من الركض وراء المسارات العاطفية المستهلكة، ليعيد بذلك تعريف مفهوم الروابط الإنسانية على شاشات التلفزيون.

