شركاء كوميديا أم عشّاق بلا سرير؟ .. الشفرة الرومانسية المبطنة لثنائي “Hacks”
في الوقت الذي تصنّف فيه شبكات الإنتاج مسلسل الكوميديا الحائز على الجوائز Hacks بوصفه دراما تتبع كواليس مهنة الكوميديا الارتجالية وصراع الأجيال، جاءت مجلة Little White Lies البريطانية المرموقة، والمتخصصة في التفكيك الجمالي والسينمائي، لتقلب الطاولة على هذه الرؤية التقليدية.
عبر مقال تحليلي جريء وحاد حمل عنوان “Hacks was always a love story” (مسلسل Hacks كان دائماً قصة حب)، فجّرت المجلة نقاشاً نقدياً واسعاً في الأوساط الفنية والصحفية. المقال لم يتعامل مع الرابط بين النجمتين “جين سمارت” (ديبورا فانس) و”هانا اينبيندر” (إيفا دانيلز) كأداة تسلية عابرة، بل قدم تشريحاً هيكلياً يثبت أن المسلسل، في جوهره وبنيته السردية الخفية، يتبع بدقة متناهية قواعد الأفلام الرومانسية الكوميدية (Rom-Coms)، ولكن من دون “سرير” يجمع البطلتين.

هذا التقرير يرصد تفصيلياً الكيفية التي فككت بها المجلة شفرة هذه العلاقة الاستثنائية:
1. “اللقاء الأول الغريب”.. تصادم برائحة الانجذاب (The Meet-Cute)
يشير تحليل Little White Lies إلى أن الحلقة الأولى من المسلسل لم تكتب كعقد عمل عادي، بل صممت وفق قالب “اللقاء الأول الغريب والمزعج” الكلاسيكي في السينما الرومانسية؛ حيث يلتقي البطلان في أسوأ الظروف الممكنة ويتبادلان الكراهية فوراً.
داخل قصر “ديبورا فانس”، يبدأ التعارف بمشادة كلامية حادة وإهانات متبادلة وقاسية حول الكوميديا والفجوة الجيلية. يوضح المقال أن هذا الصدام لم يكن خصومة، بل كان “شرارة الانجذاب الفكري الصاعق”؛ حيث أدركت كل امرأة منهما، وسط الدخان اللفظي، أن الطرف الآخر هو الشخص الوحيد في العالم القادر على قراءة عقلها، واستفزاز ذكائها، وتحدي كبريائها، وهو التمهيد الدرامي المعتاد لقصص العشق العميقة.

2. “الاعتماد العاطفي المتبادل”.. حين تصبح الأخرى مرآة للذات (The Codependency)
يمضي المقال ليحلل كيف تطورت المواسم المتعاقبة نحو “الارتباط الكامل والاعتماد الروحي المطلق”، بعيداً عن الصيغة المهنية (رئيسة ومرؤوسة).
وتلفت المجلة الأنظار إلى جماليات الإخراج والكتابة في المشاهد التي تجمعهما وحيدتين؛ مثل الرحلات الطويلة بالسيارة، أو السهر في غرف الفنادق، مؤكدة أنها تُصوَّر بكاميرا حميمية دافئة تحاكي تماماً رحلات العشاق (Road-trip romances). لقد تحولت كل منهما إلى مرآة للأخرى؛ ديبورا تلمس في إيفا طموح شبابها ونقائه، وإيفا ترى في ديبورا الصلابة والمستقبل الذي تحلم به، مما جعلهما في حالة عجز كامل عن التنفس في الحياة المهنية والشخصية دون وجود الطرف الآخر.
3. “الانفصال المؤلم”.. دموع القلوب المكسورة (The Third-Act Breakup)
في المنعطفات الكبرى للمسلسل، وحين تشتعل الأزمات وتحدث القطيعة والدعاوى القضائية بين الثنائي، يرى مقال Little White Lies أننا لسنا أمام خلاف مهني على الإطلاق، بل نحن أمام ما يُعرف في الأدبيات الرومانسية بـ “انفصال الفصل الثالث” (The Third-Act Breakup)، وهو الانفصال المأساوي الذي يسبق النهاية السعيدة في الأفلام العاطفية.
مشاعر الغدر المتبادلة، والدموع المكتومة، والنبرة المجروحة خلال القطيعة لم تكن تصرفات شريكتين في العمل، بل كانت قناعاً يخفي “قلوباً مكسورة عاطفياً”. بالتالي، فإن لحظات العودة والارتماء في أحضان الشراكة مجدداً تم تصويرها بلهفة وارتياح عاطفي ملموس يوازي تماماً عودة العشاق بعد فراق طويل.
النتيجة النقضية: “علاقة أفلاطونية كويرية” تُعيد تعريف الحب
يطرح المقال في ختامه سؤالاً جوهرياً: لماذا يبحث الجمهور والصحافة دوماً عن توتر رومانسي وجنسي صريح بينهما؟
والإجابة تكمن في “النمطية التلفزيونية”؛ فالشاشة عودتنا طوال عقود أن العلاقات التي تبلغ هذا القدر من التضحية، والغيرة، والارتباط الروحي الشديد، والاعتماد العاطفي، لا بد أن تُترجم إلى علاقة جسدية عاطفية تقليدية.
هنا، يثني المقال على ذكاء وصياغة كُتّاب وصنّاع Hacks؛ لأنهم امتلكوا الشجاعة لتقديم قصة حب حقيقية، صارخة، وصادقة جداً، لكنها “أفلاطونية” (Platonic). لقد أعاد المسلسل صياغة المفهوم التلفزيوني السائد لـ “رفقاء الروح” (Soulmates)، ليثبت للعالم أن أعمق قصص الحب قد لا تحتاج إلى مسمى رومانسي أو سرير يجمع الطرفين، بل يمكن أن تولد من رحم الشغف المشترك، والألم، والكوميديا، ليكون الرابط بين “ديبورا وإيفا” أبقى، وأقوى، وأكثر قدسية من أي علاقة غرامية عابرة.


