الأفضلالأكثر قراءةمنوعات

مهرجان “الفسحة الشاطئية” في ذمة الله.. إلغاء دورة الإسكندرية يكشف عورات أعضاء “لجنة الفنادق والبط”

لم يكن قرار وزيرة الثقافة بإلغاء الدورة المقبلة لمهرجان الإسكندرية السينمائي الدولي مجرد قرار إداري؛ بل كان بمثابة رصاصة الرحمة التي أُطلقت على جسد مترهل عاث فيه الهواة والمنتفعون فساداً لسنوات. الأقلام الحرة صرخت، والزملاء استنكروا، والجميع تَقاطع في خندق واحد ضد المهزلة الفنية والمهنية التي تُرتكب باسم عروس البحر المتوسط. لكن المفاجأة الصادمة لم تكن في كنس هذه الفوضى بقرار الإلغاء، بل في المشهد الهزلي الذي تلا القرار: أين اختبأت لجنة المهرجانات؟ وما هو مبرر وجودها أصلاً بعدما ظهرت في الصورة كـ “كومبارس” صامت خلف الوزيرة؟

سنوات طويلة واللجنة تتحصن خلف كذبة مريحة وجبانة: “لا سلطة لنا على مهرجان الإسكندرية”! قالوها بدم بارد ووجوه مكشوفة كلما طالبنا بمحاسبة إدارة فاشلة سحقت كل معايير الاحترافية، قالوها حين تحولت لجان التحكيم إلى “مجلس مصاطب”، وقالوها حين تعاقب على الإدارة الفنية للمهرجان أشخاص لا علاقة لهم بالسينما من قريب أو بعيد.

اليوم، وبصدور قرار الإلغاء—وهو ذروة السلطة والتدخل—تأكدنا أن السلطة موجودة، لكنها كانت تُحجب وتُوظف فقط لحماية المصالح المتبادلة.

هذه الصورة المخزية لأعضاء اللجنة وهم يقفون خلف الوزيرة بعد صدور القرار هي صك إدانة وتواطؤ؛ فكل من سكت طوال سنوات، وتحجج بـ “العجز” أمام الفضائح التي أزكمت الأنوف على الهواء مباشرة، يجب أن يتوارى خجلاً!

فضيحة “الخنجر المستعمل”: تسول بروتوكولي على الهواء مباشرة!

حديث الحساب والجلد لا يمكن أن يمر دون نبش “فضيحة الخنجر” العابرة للقارات، والتي لخصت دون رتوش مستوى الإحراج الدولي الذي ألحقه رئيس المهرجان بسمعة مصر.

في عام 2016، وبمهرجان وهران الجزائري، وقف الأمير أباظة في حفل رسمي ليقدم هدية تكريمية للرئيس الجزائري الراحل عبدالعزيز بوتفليقة. الكارثة التي لم يستوعبها الحضور أن “الهدية المفخخة بالرخص” كانت خنجراً عمانياً يحمل الشعار السلطاني العماني! وهو ذاته الخنجر الذي تسلمه أباظة قبلها بأشهر من المخرج العماني خالد الزدجالي في مهرجان مسقط!

هدية مستعملة بشعار دولة ثانية، تُهدي لرئيس دولة مضيفة في بث مباشر.. حتى العلبة استخسروا تغييرها!

هذه لم تكن سقطة عابرة؛ بل كانت تجسيداً صارخاً لثقافة “الشحاتة الفنية” والارتجال المخزي.

وقتها، دفنت الوزارة والدولة رأسيهما في الرمال تحت مظلة الحرج السياسي وثقافة الصمت، لكن الجرح ظل ينزف، والخطايا تراكمت دورة تلو الأخرى. وحين نبشنا هذه الفضيحة مؤخراً، كان الهدف تذكير الجميع بأن هذه الممارسات العبثية طعنت السيادة المصرية وعلاقاتها الدولية في مقتل. لقد كانت هذه الفضيحة هي القشة التي قصمت ظهر البعير، وحركت القرار السياسي المتأخر جداً.. الحساب تأخر، لكن المشنقة نُصبت في النهاية.

دكان لجنة المهرجانات: يأكلون على موائد من يراقبون!

لنكن جلادين حقيقيين ونسمي الأشياء بمسمياتها: لجنة المهرجانات في مصر مجرد حبر على ورق، وهيكل كرتوني يقتات على حساب القضية التي يفترض أن يحميها. النص يقول إنها جهة رقابية تضع المعايير وتضمن هيبة التمثيل المصري، أما الواقع فيبصق على هذا النص.

الواقع مخزٍ؛ أعضاء هذه اللجنة يحضرون المهرجانات كـ “مرافقين من الدرجة الأولى”: تذاكر طيران مجانية، إقامات في فنادق فاخرة، ومصاريف جيب يومية.. وكل هذا “النداء” يُدفع من ميزانية المهرجان ذاته الذي يفترض أنهم يراقبونه!

اللجنة تأكل مما تطهوه يد الفاسد، وتنام تحت سقف الفاشل، وتُكرم ممن يجب أن تجلده بسياط القانون! فكيف لعضو منتفع، يسافر في “رحلة سياحية مدعومة”، أن يملك الشجاعة ليقول: “هذا المهرجان مزبلة”؟ أو “هذا المدير الفني مكانه الرصيف”؟ المنتفع لا يصنع نقداً، والمهرجانات تدفع ثمن صمت هؤلاء الرقباء لأن العلاقة تحولت إلى مقايضة رخيصة بين “صاحب مصلحة” و”صاحب قرار”. والنتيجة؟ صفر تقييم، والود المتبادل هو المعيار الوحيد.

روشتة بتر “الأورام”: اسحبوا الرخصة فوراً!

الإصلاح لا يحتاج إلى مؤتمرات، بل يحتاج إلى “بلدوزر” يقتلع هذه الشبكة المنتفعة من جذورها:

 أولاً: يُمنع “الزحف الجماعي” للجنة؛ عضو واحد يكفي لتقييم المهرجان. الحشد الحالي ليس إلا رحلات ترفيهية تنتج تقارير باردة ومنافقة.

 ثانياً: وزارة الثقافة هي من تتكفل بمصاريف هذا العضو بالكامل. يجب فصل الميزانيات فوراً؛ فمن يدفع ثمن الفندق والبطة، يشتري الصمت والذمة.

 ثالثاً: التقارير يجب أن تكون وثائق رسمية منشورة وموقعة، تضع العضو أمام مسؤوليته الجنائية والأدبية، لا “دردشة كواليس” ومجاملات مغلفة بالدبلوماسية.

إن قرار إلغاء مهرجان الإسكندرية نسف آخر حصون التبرير للجنة الميتة إكلينيكياً. إما دور حقيقي شفاف، أو لنعلنها صراحة: اللجنة ليست سوى “ديكور مؤسسي” لتمرير قرارات الوزير الفردية.

الحل الجذري والوحيد: سحب رخصة تنظيم مهرجان الإسكندرية فوراً ومنعها عن “جمعية كتاب ونقاد السينما” التي حولته إلى “فسحة شاطئية”، وتسليم المهرجان بالكامل لسينمائيي الإسكندرية الشباب وضخ الدعم المالي لهم ليرسموا مهرجاناً حقيقياً يليق بالبحر المتوسط، بقرار سياسي صارم يقطع الطريق على الوجوه المعلبة و”السائحين” المحترفين.

السينما المصرية تستحق جهة رقابية مستقلة بـ “الفعل” لا بـ “الاسم”، وتستحق تقييماً يجلد المقصر، لا وقوفاً مخزياً على حياد مريح ومدفوع الأجر!