أكبر من الأشخاص والخلافات: قراءة في أبعاد قرار إلغاء الدورة 42 لمهرجان الإسكندرية
من يعتقد أن هذه السطور كُتبت دفاعاً عن أشخاص أو تملقاً لإدارة، فهو واهم؛ فالجميع في الوسط السينمائي يعلم حجم الخلافات العلنية التي نشبت بيني وبين رئيس مهرجان الإسكندرية السينمائي منذ الدورة الماضية، والتي وصلت إلى تبادل البيانات الرسمية عبر منصات التواصل، قبل أن تُطوى الصفحة بتدخل حكماء المهنة. لذا، فإن حديثي اليوم يتجرد تماماً من أي خصومة أو انحياز شخصي، لينطلق من مبدأ أسمى وأخطر: مصير صرح ثقافي وطني عريق يمثل ركيزة أساسية في تاريخ القوة الناعمة المصرية.
إن مهرجان الإسكندرية لسينما حوض البحر المتوسط ليس حدثاً هامشياً وُلد بالأمس، بل هو ثاني أقدم المهرجانات السينمائية في مصر بعد “القاهرة الدولي”، وأحد أعرق المحافل الفنية في المنطقة العربية. هذا الكيان شيدته “الجمعية المصرية لكتاب ونقاد السينما” عام 1973 على يد المؤرخ والأثري الكبير كمال الملاخ، وتداول قيادته رموز وقامات فكرية وفنية عملاقة مثل سعد الدين وهبة، وممدوح الليثي، ومصطفى محرم، وأحمد صالح.
على مدار أكثر من أربعة عقود، عبر المهرجان عواصف وأزمات حادة، وشهد صراعات واختلافات في الرؤى، لكن أحداً لم يجرؤ يوماً على المساس باستمراريته أو ثبات موعده السنوي، لإدراك الجميع أن هيبة المؤسسة أكبر من أي خلاف إداري. ومن هنا يبرز السؤال الصادم اليوم:
كيف يُتخذ قرار بإلغاء أو تجميد الدورة الثانية والأربعين دون استنفاد كافة وسائل التحقق والتحقيق القانوني؟
غياب المساءلة القانونية واستباق العدالة
إذا كانت هناك ملاحظات إدارية، أو شبهات بمخالفات مالية شابت الدورة السابقة، فإن المسار الطبيعي والدستوري يفرض على اللجنة العليا للمهرجانات بوزارة الثقافة مخاطبة وزارة التضامن الاجتماعي—باعتبارها الجهة الرقابية المشرفة على الجمعية المنظمة—لفحص المستندات رسميًا واستجلاء الحقيقة. وحتى لو استوجب الأمر تحقيقاً فنياً، فكان الأحرى بالوزارة تشكيل لجنة تحقيق مستقلة ومهنية تمنح إدارة المهرجان حق الدفاع عن النفس وسماع وجهة نظرها تفعيلاً لأبسط قواعد العدالة، تماماً كما جرى التعامل مع مهرجانات وطنية أخرى مثل “الإسماعيلية الدولي”.
أما أن يصدر قرار بالإلغاء استناداً إلى تقارير لم تُمحص بشكل كامل، ودون منح مسؤولي الدورة السابقة فرصة الرد، فهو إجراء يضع الوزارة واللجنة العليا في مرمى علامات استفهام كبرى؛ فحتى المتهم في القضايا الجنائية الكبرى يكفل له القانون حق الدفاع كاملاً قبل النطق بالحكم.
المناخ الإقصائي ومخاطر “الاستحواذ الثقافي”
إن ما يثير القلق والريشة ليس مجرد قرار الإلغاء، بل ما يشي به من تصاعد مناخ غريب على بيئتنا الإبداعية؛ مناخ تحكمه العصبيات، والتكتلات الشللية، ومحاولات الإقصاء والاستحواذ. المؤسسات الثقافية الكبرى لا يمكن أن تُدار بمنطق التحالفات المؤقتة أو الصراعات الفردية، بل بمنطق المؤسسية وسيادة القانون ومصلحة الوطن العليا.
والأخطر من ذلك، هو أن تراجع الدولة عن دعم وحماية مؤسساتها الثقافية التاريخية يفتح الباب تدرجياً أمام نوع جديد من الاحتكار الثقافي والتمويلي. وحينها، ستصبح المهرجانات الوطنية رهينة في يد الممولين الأكثر نفوذاً ورؤوس الأموال، ليتحول السؤال من: “من يدير المهرجان بكفاءة؟” إلى “من يملك القدرة المادية على السيطرة عليه وتوجيهه؟”.
الثقافة ليست مشروعاً استثمارياً يبحث عن الربح السريع، ولم تؤسَّس المهرجانات الوطنية لخدمة فئة بعينها، بل وُجدت لتكون ذراع الدولة السينمائي والدبلوماسي؛ لذا فإن تحويلها إلى ساحات نفوذ خاصة يهدد استقلال القرار الثقافي المصري في جوهره.
نماذج إقليمية في الاتجاه المعاكس
في الوقت الذي نتعامل فيه مع أحد أهم مهرجانينا الدوليين وكأنه “مشكلة يراد التخلص منها”، نجد الدول العربية الشقيقة تسير بسرعة الصاروخ في الاتجاه المعاكس تماماً:
في الأردن: تقود “الهيئة الملكية الأردنية للأفلام” دوراً محورياً في دعم وتمويل الصناعة والمبادرات المرتبطة بها، إدراكاً من الدولة لأهمية السينما في بناء الصورة الذهنية الحديثة للمملكة.
في المغرب: يلعب “المركز السينمائي المغربي” دور الأب الروحي للحياة السينمائية، حيث يقدم سنوياً دعماً مالياً ولوجستياً لعشرات المهرجانات في مختلف المدن، إيماناً بأن التعددية الثقافية مصدر قوة للدولة وليس عبئاً عليها.
وفي المقابل، لا تمتلك مصر—بثقلها التاريخي—سوى مهرجانين سينمائيين دوليين تاريخيين يمثلان واجهتها الرسمية أمام العالم: “القاهرة” و”الإسكندرية”. فكيف يُسمح بتهميش أحدهما؟
خلاصة القول،
القضية اليوم ليست الأمير أباظة، وليست تقييم دورة بعينها إن كانت ناجحة أو متعثرة؛ القضية هي الحفاظ على إرث ثقافي مصري عمره 42 عاماً. إذا وُجدت أخطاء فلتصحح وفقاً للقانون، وإذا ثبتت مخالفات فليحاسب مرتكبوها عبر القنوات الرسمية، أما دفع المهرجان إلى مقصلة الإلغاء أو التهميش لمصلحة رغبات الاستحواذ، فهو أمر لا يخدم الثقافة المصرية ولا الدولة في شيء.
الدول التي تعي قيمة قوتها المعنوية تحمي مؤسساتها وتوسع مظلتها، أما الدول التي تترك مؤسساتها نهباً للصراعات والتكتلات والاحتكارات، فإنها تتنازل طواعية عن نفوذها الحضاري.
والسؤال الحقيقي الذي يجب أن نطرحه اليوم ليس: “من يدير مهرجان الإسكندرية؟”..
بل: هل نمتلك الشجاعة للحفاظ على مهرجان وطني تاريخي، أم نتركه ضحية للعصبيات ومحاولات الاستيلاء على المجال الثقافي المصري بالكامل؟

