في ذكراه الـ 86.. عباس كيارستمي العرّاب الذي نقل السينما الإيرانية إلى العالمية
تحل ذكرى ميلاد السينمائي الإيراني الفذ عباس كيارستمي، لتعيد إلى الأذهان سيرة المبدع الذي أعاد صياغة مفهوم الفن السابع، وعبَرَ بالسينما المحلية لبلاده إلى منصات التتويج الدولية، متمسكاً بعفوية الطرح وعمق التفاصيل البسيطة.
منذ ولادته في طهران عام 1940، لم يكتفِ كيارستمي بتقديم أفلام ناجحة، بل أحدث ثورة حقيقية في المدرسة الواقعية.
ففي الوقت الذي ركزت فيه هوليوود والعالم على الصراعات الضخمة، التفت هو إلى الهوامش؛ فرأى السينما في القرى النائية، وعيون الأطفال، وحوارات السيارات العابرة، محولاً اليومي المعتاد إلى تساؤلات فلسفية عميقة.
محطات شكلت وجدان السينما العالمية
أين منزل الصديق؟ (1987): نقطة التحول الفاصلة في مسيرته.
من خلال حكاية تلميذ يبحث عن بيت زميله ليعيد له كراسته، غاص المخرج في معاني المسؤولية والضمير الإنساني، واهباً الزمن العادي بعداً درامياً أخاذاً.
كلوز أب (1990): أحد أكثر الأعمال إلهاماً في السينما الحديثة. اعتمد الفيلم على واقعة حقيقية لشخص انتحل صفة مخرج، والمثير أن كيارستمي جعل أصحاب القصة الحقيقيين يمثلون أدوارهم بأنفسهم، ماحياً الخط الفاصل بين الوثائقي والروائي، ومثيراً تساؤلاً حول قدرة الفن على محاكاة الحقيقة.
الحياة ولا شيء سواها (1992): بعد زلزال مدمر ضرب شمال إيران، عاد كيارستمي ليرصد تمسك البشر بالحياة وسط الأنقاض.
لم يفتش عن الميلودراما أو البكاء، بل ركز عدسته على الأمل والإرادة البشرية في البقاء.
عبر أشجار الزيتون (1994): الضلع الثالث فيما عُرف بـ”ثلاثية كوكر”. في هذا العمل، تصبح عملية تصوير السينما نفسها هي المحور، حيث تتمازج المشاعر الحقيقية للممثلين مع أدوارهم أمام الكاميرا، ليؤكد أن الفن يمتد ليصبح جزءاً من الحياة وليس مجرد مرآة لها.
النضج الفلسفي والعالمية
توّج كيارستمي مسيرته بجائزة السعفة الذهبية في مهرجان كان عن فيلمه الشهير «طعم الكرز» (1997).
الفيلم يواكب رحلة رجل يبحث عن شخص يساعده في إتمام خطة انتحاره، لكنه يتحول عبر مساحات الصمت الطويلة وحوارات السيارة إلى تأمل وجودي في قيمة الحياة.
وفي فيلم «الريح ستحملنا» (1999)، وصلت لغته البصرية إلى أقصى درجات الشاعرية؛ حيث اعتمد على الغياب بدلاً من الحضور، وجعل الأحداث تقع خارج الكادر، واثقاً في وعي المشاهد وقدرته على استكمال المعنى.
ولم تقف الجغرافيا عائقاً أمامه، فحين أخرج فيلم «نسخة طبق الأصل» (2010) في إيطاليا من بطولة جولييت بينوش، أثبت أن هواجسه الفكرية حول الحقيقة والزيف تتجاوز حدود الهويات والثقافات.
إرث سينمائي لا يغيب
لم تكن سينما كيارستمي مجرد لقطات، بل كانت فلسفة متكاملة ترى في الصمت بلاغة تفوق الكلام، وفي اللقطة الطويلة تشويقاً يتجاوز حركات الأكشن، وفي حيرة الطريق متعة تفوق الوصول.
ترك الراحل بصمة لا تُمحى في وجدان المخرجين حول العالم، وظلت أعماله حية تُلهم الأجيال بجمالياتها الإنسانية الخالدة.

