مقالات

لماذا يكرهون المرأة ؟! الوعي النسائي الذي يهدد استقرار الوهم الذكوري

نشهد في الآونة الأخيرة موجة عارمة من العداء الموجه ضد النساء، وهي موجة لا يمكن تفكيكها بمعزل عن التحول الجذري في وعي المرأة المعاصرة.

إن الأزمة الحقيقية تكمن في أن الجيل الحالي من النساء امتلك من الوعي ما جعله يرى بوضوح كلفة الأوضاع الزوجية والأسرية التي دفعها جيل الأمهات والجدات.

لقد عاينت المرأة المعاصرة حجم التنازلات الفادحة والمسؤوليات التي تحملتها الأجيال السابقة دون وجه حق، ورأت كيف كان ثمن “إبحار المركب” باهظاً من صحة المرأة وحياتها، بل ومن الاستقرار النفسي للأبناء.

هذا الوعي الجديد وضع الرجل المعاصر في مواجهة حتمية وصادمة مع ذاته، مواجهة تضرب في عمق الموروث الذكوري والشعار الزائف المتمثل في مقولة “ألف واحدة تتمناك يا بني”. ليخرج هذا الابن إلى الواقع ويكتشف زيف هذه السردية؛ فلا يوجد طوابير تنتظره، بل يجد نفسه مطالباً بمسؤوليات ومساحات نفسية وتفاعلية لم يرب عليها يوماً، بل إن بعضها لا يزال يوصم مجتمعياً في دائرته بعبارات من قبيل “دلدول الست”.

لقد توقفت النساء عن قبول دور “الإسفنجة” التي تمتص الأذى والانفعالات، ورفضن تكرار مآسي الأمهات والجدات مع آباء غائبين أو عنيفين. تطالب المرأة اليوم بحضور واعٍ وحقيقي للرجل في حياتها وحياة الأبناء، في المقابل يقف الرجل عاجزاً لأنه لم يشهد في حياته غياباً للنماذج الرجولية الحقيقية التي تجسد معاني الاحتواء للزوجة والأبناء، بل لم يجد هو نفسه من يحتويه، بعد أن نُشِّئ على كبت مشاعره وتجميد رغباته.

حين تقبل المرأة اليوم على الارتباط، فهي تبحث عن “شخص” حقيقي، عن رفيق رحلة، وصاحب طريق، وونس، ودِفء، وليس مجرد ممول مالي أو وسيلة للإنجاب.

هذا الطلب المباشر يصطدم مباشرة بصورة الرجل عن فحولته ورجولته التقليدية، فيحاول عبثاً مطالبتها بأن تكون كأمه: تستحمل في صمت وتشكر في خنوع، صدمته الكبرى تتجسد حين تنفجر هذه المرأة مطالبة بالطلاق، ليتشظى بذلك واقعه المعتاد.

إن الطبيعة البشرية تنفر غريزياً من مواجهة المرآة التي تكشف العيوب وتطالب بالتغيير والتطوير، فالرجل الذي يدخل العلاقة بحثاً عن المتعة السريعة أو الاستقرار الساكن، يصطدم بضرورة العمل الجاد لبناء علاقة حقيقية، وأن يكون زوجاً وأباً حقيقياً.

وهنا يبرز الفارق الجوهري بين نوعين من الرجال؛ الرجل الواعي الواثق من نفسه، الذي يراجع ذاته ويتعلم ويتطور ويبني علاقة متينة رغم التحديات.

وبين الرجل غير الواعي، الذي يحمل نفسية طفل غير ناضج، يرفض المواجهة، ويسقط عيوبه على المرأة، لتبدأ من هنا سلسلة من العنف المعنوي والبدني، مصحوبة بسرديات التشويه، والنتائج اليوم تتحدث عن نفسها بوضوح في المحاكم والبيوت المهدمة.