لماذا نكره عبد اللطيف كاشيش ؟
المخرج التونسي الفرنسي عبد اللطيف كاشيش (Abdellatif Kechiche) هو أحد أكثر الأسماء إثارة للجدل في السينما العالمية المعاصرة.
ورغم عبقريته الإخراجية المعترف بها وحصده لأرفع الجوائز السينمائية، وعلى رأسها السعفة الذهبية من مهرجان كان، إلا أن هناك حالة من النفور والعداء الجماهيري والنقدي المتزايد تجاهه.
هذا الملف المفصل يشرح الأسباب الأبرز التي جعلت كاشيش شخصية مغضوباً عليها في الأوساط الفنية والسينمائية، مدمجاً كافة أبعاد شخصيته الفنية وصراعاته الكواليسية وتصريحاته النارية.
أولاً: الاستغلال النفسي والمهني
أبرز الأسباب التي جعلت الكثيرين يوجهون انتقادات حادة لكاشيش هي طريقة تعامله مع الممثلين وطواقم العمل خلف الكواليس، والتي وُصفت في كثير من الأحيان بالديكتاتورية والتطرف.
يعتمد كاشيش أسلوباً صارماً في التصوير لدرجة تجبر الممثلين على إعادة المشاهد العاطفية والجسدية المعقدة والمجهدة لساعات طوال دون مراعاة لصحتهم النفسية أو الجسدية، وإعادة اللقطات عشرات المرات (وصلت أحياناً إلى 100 إعادة للمشهد الواحد) دون مبرر واضح سوى السعي وراء واقعية متطرفة، مما يولد شعوراً عاماً بانتهاك الخصوصية والاستغلال الفني داخل مواقع التصوير الخاصة به.
ثانياً: النظرة الذكورية والسينما الاستعراضية (The Male Gaze)
يتهم قطاع عريض من النقاد والجمهور، وخاصة الحركات النسوية، كاشيش بامتلاك ما يُعرف في النقد السينمائي بـ “النظرة الذكورية الفاضحة” وتحويل السينما إلى أداة تلصص.
ففي أعماله الأخيرة، ركزت الكاميرا بشكل مبالغ فيه ومطول على أجساد الممثلات بطرق اعتبرها الكثيرون غير مبررة درامياً.
ورأى النقاد أن العمل تحول من دراما إنسانية إلى استعراض بصري لجسد المرأة يخدم رغبة المخرج الشخصية بدلاً من القصة، مما أفقد أفلامه الأخيرة العمق الإنساني الفلسفي الذي تميزت به أعماله الأولى مثل “الكسكسي والسمك”.
ثالثاً: الإخراج المتطرف والمط المبالغ فيه
من الناحية الفنية والجمالية، يتبنى كاشيش أسلوب الواقعية المفرطة، حيث يترك الكاميرا تدور لفترات طويلة جداً لالتقاط أدق التفاصيل الحياتية، مثل تناول الطعام، الرقص، أو النقاشات العادية.
لكن في أفلامه الأخيرة، تحول هذا الأسلوب إلى أداة للمط والملل بالنسبة للعديد من المشاهدين والنقاد؛ حيث احتوت بعض الأعمال على مشاهد رقص في الملاهي الليلية تستمر لنحو نصف ساعة دون أي تطور في الحبكة الدرامية، مما جعل الجمهور يشعر بأن المخرج يفتقد للقدرة على ضبط الإيقاع ويوجه طاقة العمل نحو أمور سطحية واستهلاكية، مما أفقد أعماله التعاطف الجماهيري، وشعور المشاهد بإهدار وقته وتخييب آماله سبب مباشر السخط على المخرج.
رابعاً: تصريحاته الهجومية
تعد تصريحات كاشيش في الصحافة امتداداً لجرأة أفلامه، حيث عُرف بإطلاق مواقف نارية وصادمة تخلو من الدبلوماسية.
و وصل به الأمر في ذروة أزماته إلى إطلاق تصريح صادم لمجلة “تيليراما” الفرنسية عبر فيه عن ندمه على صناعة فيلمه الأهم “حياة أديل” قائلاً: “الفيلم لم يكن ينبغي له أن يخرج للنور، لقد تلوث بشكل كامل”، معتبراً أن الجدل الأخلاقي والمهني أفسد بهجة الجائزة وقيمة العمل الفني.
كما عُرف بتوجيه ردود لاذعة للغاية ضد نقاد السينما الذين هاجموا المشاهد الجنسية المفرطة في أفلامه، فخلال المؤتمر الصحفي العاصف في مهرجان كان عام 2019 بعد عرض فيلمه “مكتوب حبي: نشيد الحب”، واجه كاشيش سيلاً من الانتقادات بسبب المشاهد الجنسية المفرطة والطويلة في الفيلم.
وجاء رده في المؤتمر وفي الصحف اللاحقة لاذعاً للغاية، حيث قال إن النقاد الذين ركزوا على هذه المشاهد لديهم “هوس مرضي وعقد جنسية”، ووصفهم بأنهم يتصرفون كـ “المتطلعين من ثقوب أبواب غرف النوم” بدلاً من تقييم الفن والاحتفاء بالحياة والجسد كما يراهما هو.
خامساً: نفاقه لتونس وتنكره لفرنسا
تتشابك مواقف كاشيش السياسية والثقافية مع حالة العداء المحيطة به، وتظهر بوضوح من خلال مقارنة موقفه بين وطنه الأم والدولة التي يحمل جنسيتها ويعيش فيها، وهو الموقف الذي وصفه الكثيرون بالنفاق، حيث يتمسح في دولة ترفض فنه، بينما الدولة التي يعيش غارقا في خيرها يتنكر لها وينتقدها ويهاجمها بشراسة وغضب.
موقفه تجاه وطنه الأم (تونس):
حرص لحظة تسلمه السعفة الذهبية عام 2013 على إهداء الجائزة إلى “الثورة التونسية” والشباب التونسي وتطلعاته نحو الحرية. وذلك رغم أن أفلامه منعت من العرض التجاري هناك بسبب الرقابة.
هجومه الحاد على فرنسا (المؤسسات والإعلام):
في المقابل، اتهم الإعلام الفرنسي بممارسة نوع من “العنصرية المبطنة” والنظرة الدونية تجاهه بسبب أصوله المهاجرة.
وفي عام 2017، وكرسالة احتجاج قوية ضد تضييق الخناق المالي عليه من قبل الصناديق الفرنسية، وأعلن بشكل صادم عن عرض “السعفة الذهبية” للبيع في مزاد علني لتمويل فيلمه، وهو ما اعتبر صفعة قوية للسياسة الثقافية الفرنسية.
وفي عام 2019، شن كاشيش هجوماً عنيفاً ومباشراً على فرنسا كدولة ومؤسسات سياسية وإعلامية.
وهاجم ما أسماه “المافيا السينمائية” في فرنسا وآليات التمويل الحكومي، معتبراً أنها تفرض وصاية فكرية وأخلاقية تحارب الأصوات الحرة وتخدم “البرجوازية الباريسية”.
كما اتهم الإعلام الفرنسي بممارسة نوع من “العنصرية المبطنة” والنظرة الدونية تجاهه بسبب أصوله المهاجرة، معتبراً أنهم ينتظرون منه تقديراً نمطياً للضواحي، وعندما قدم سينما فرنسية متحررة انقلبوا ضده.
سادساً: الاتهامات بالاعتداء
تضاعفت كراهية البعض للمخرج بعد أن واجه في عام 2018 اتهاماً رسمياً بالتحرش والاعتداء الجنسي من قبل ممثلة تبلغ من العمر 29 عاماً، ادعت أنه استغلها بعد ليلة سهرة وتناول للمشروبات الكحولية في باريس.
ورغم أن النيابة العامة الفرنسية أغلقت التحقيق رسمياً في عام 2020 وقررت حفظ القضية لعدم كفاية الأدلة، إلا أن هذه القضية أثرت بشكل بالغ على سمعته في عصر حركات مناهضة التحرش، وضاعفت من الصورة السلبية المتشكلة حوله كصانع أفلام يستغل سلطته النفوذية ضد النساء والممثلات الصاعدات.
هذه القضية عكست من جديد كيف ان كاشيش يكره فرنسا التي احتضنته مهاجرًا، فعندما واجه اتهامات بالتحرش، لم يتخذ كاشيش موقف الدفاع الصامت كما يفعل أغلب المشاهير، بل صرح عبر محاميه وفي الصحافة بشكل هجومي قاطع، معتبراً أن هذه الاتهامات هي “مؤامرة رخيصة” و”ابتزاز علني” مستوحى من موجة الحركات النسوية لتصفية حسابات فنية وشخصية معه، مؤكداً أنه لن يسمح لـ “المحاكم الإعلامية” بأن تحاكم عبقريته أو تملي عليه كيف يصنع أفلامه.
سابعاً: مَن هم أعداؤه؟
(قائمة الخصوم والصراعات)
تضم السيرة المهنية لعبد اللطيف كاشيش شبكة واسعة من الخصوم والعداوات الشديدة مع ممثلين، فنيين، منتجين، ومؤسسات دخل معهم في خلافات علنية، أو ألحق بهم أذى نفسياً ومهنياً، أو خاض ضدهم صراعات قانونية ونقابية:
الممثلة ليا سيدو (Léa Seydoux):
بطلة فيلمه الأشهر، والتي خاضت معه أشرس حرب كلامية علنية في الصحافة العالمية.
هاجمها كاشيش بضراوة ووصفها بـ “الفتاة البرجوازية المدللة” حيث تنتمي لعائلة نافذة في صناعة السينما الفرنسية (فهي حفيدة رئيس شركة باثي السينمائية)، واتهمها بالنفاق والادعاء، قائلاً إنها كانت تبكي على السجادة الحمراء تقرباً للجمهور بينما كانت تتقاضى ملايين وتعيش في رفاهية.
وجاء هجومه بسبب خروجها للإعلام وتحدثها عن “التجربة المروعة والمذلة” التي عاشتها معه في الكواليس، واعتبر تصريحاتها محاولة مقرفة لتدمير سمعته الفنية.
الممثلة أديل إكزاركوبولوس (Adèle Exarchopoulos):
شريكة البطولة في فيلم “حياة أديل”، والتي رغم هدوئها النسبي مقارنة بليا سيدو، إلا أنها انضمت لجبهة الخصوم بتأكيدها أن العمل معه كان تجربة “مؤلمة نفسياً” وتعدياً على الخصوصية والجسد بسبب الإعادات اللانهائية للمشاهد الحميمية، وأعلنت مقاطعتها للعمل معه مستقبلاً.
الممثلة والراقصة أوفيل باو (Ophélie Bau):
بطلة فيلم “مكتوب حبي”، والتي تحولت إلى خصم عنيد له بعد أن رفض توسلاتها بحذف مشهد جنسي مطول وصريح جداً يخصها في مرحلة المونتاج.
هذا الخلاف دفعها لمقاطعة السجادة الحمراء والمؤتمر الصحفي لفيلمها في مهرجان كان 2019 والانسحاب من محيطه المهني تماماً.
نقابة الفنيين والعمال السينمائيين في فرنسا (SPIAC-CGT):
دخل كاشيش في صدام رسمي معها عام 2013 عقب إصدراها بياناً نقابياً شديد اللهجة يدينه، ويتهمه بفرض ظروف عمل “غير إنسانية” على طواقم الإضاءة والصوت والتصوير، وتجاوز ساعات العمل القانونية بشكل تعسفي دون تعويض مالي، مع ممارسة الإهانات اليومية والصراخ في موقع التصوير.
المنتج جان فرنسوا لبريسيه (Jean-François Lepetit):
أحد أوائل خصومه الإنتاجيين وصانع فيلمه الثاني “الألعاب البهلوانية” عام 2003، والذي هاجم كاشيش في الصحافة الفرنسية ووصف العمل معه بـ “الكابوس الإنتاجي” نظراً لعدم احترامه الميزانيات أو الجداول الزمنية وعناده الشديد.
شركات الإنتاج والتوزيع وصناديق الدعم الفرنسية:
دخل كاشيش في خلافات تمويلية وقانونية حادة مع شركات كبرى مثل “Wild Bunch” وصناديق الدعم الحكومي الفرنسية، والذين جمدوا تمويل مشاريعه السينمائية إثر نزاعات مالية وضريبية وقانونية معقدة، مما دفعه لعرض سعفته الذهبية للبيع كنوع من التحدي العلني لهم.
قطاع عريض من الصحافة والنقاد الفرنسيين:
وعلى رأسهم أقلام صحف ومجلات عريقة مثل “Le Monde” و”Cahiers du Cinéma”، والذين تحولوا إلى جبهة عداء جماعية ضده بعد عام 2019، حيث هاجموا أفلامه بشراسة ووصفوها بالسقوط الفني والأخلاقي وتحويل النساء إلى سلع بصرية، مما دفع كاشيش لشن حرب كلامية شاملة ضدهم واتهامهم بالعنصرية المبطنة والنفاق الأخلاقي.

