“غمض عينيك وامشي بخفة”.. إيناس جوهر تودع جمهورها بقرار الاعتزال النهائي
شهد الوسط الإعلامي العربي حالة من التفاعل الواسع، عقب الإعلان المفاجئ الذي أطلقته الإذاعية القديرة إيناس جوهر، الرئيس الأسبق للإذاعة المصرية
حيث أعلنت اعتزالها التام والنهائي لإجراء أية حوارات إذاعية أو تلفزيونية أو صحفية، مفسرة قرارها بعبارة موجزة حملت الكثير من شجن النهاية المكتفية، قائلة:
“خلص الكلام وحكينا الذكريات ولا يتبقى إلا ما هو آت.. قررت اعتزال كل الحوارات الإذاعية والتلفزيونية”. وتوجهت بالرجاء لجمهورها ومتابعيها وأبنائها في الحقل الإعلامي بألا يتملكهم العتاب بسبب هذا الموقف، معقبة: “أرجوكم من غير أي زعل لأن مفيش حاجة تتقال”.
ويأتي هذا القرار بالبُعد، بعد مسيرة طويلة وإرث ممتد غير من ملامح الإذاعة العربية، وصنع مدرسة فريدة في الأداء والتقديم والتنفيذ المباشر على الهواء، لتسدل الستار على حضورها كضيفة وثقت كواليس العصر الذهبي للإعلام المصري.
مدرسة “الكاجوال” في ماسبيرو
ولدت إيناس جوهر في القاهرة في 27 يونيو عام 1947، والتحقت بكلية الآداب جامعة القاهرة، حيث تخرجت في قسم اللغات الشرقية (تخصص اللغة العبرية) عام 1969.
وفي العام ذاته، فتحت لها الإذاعة المصرية أبوابها لتبدأ رحلتها المهنية كمذيعة وقارئة نشرة في إذاعة “البرنامج العام”، قبل أن تنتقل إلى إذاعة “الشرق الأوسط”، والتي شهدت توهجها الحقيقي وصناعة نجوميتها العريضة.
تميزت إيناس جوهر منذ إطلالتها الأولى بأسلوب غير نمطي؛ إذ تخلت عن الطابع الرسمي الحاد الذي كان سائدا في ذلك الوقت، واعتمدت لغة حيوية تقترب من نبض الشارع والمستمع الشاب.
وكانت من أوائل المذيعات اللواتي كسرن الصورة التقليدية عبر ارتداء ملابس “الكاجوال” المريحة والجينز أمام ميكروفون الإذاعة وداخل أروقة أستوديوهات التنفيذ، مما أضفى طابعا من العصرية والديناميكية على المحطة، وجعلها قريبة من قلوب وعقول جيل السبعينيات والثمانينيات.
محطات برامجية
أثمرت مسيرتها البرامجية عن تقديم مجموعة من الأشكال الإذاعية التي حققت نجاحا جماهيريا كبيرا، ونالت إشادات واسعة داخل مصر وخارجها، ومن أبرز هذه المحطات:
برنامج “تسالي”، الأيقونة البرامجية الأبرز في تاريخها، والذي حظي بشهرة تخطت الحدود المحلية. وحاز هذا البرنامج على المركز السادس بين إذاعات العالم كأفضل برنامج يقدم جرعة ثقافية يومية متميزة للمستمع، وذلك في الاستفتاء الدولي الذي أجرته إذاعة “مونت كارلو”.
وارتبط البرنامج بالشارع العربي عبر مقدمته الإذاعية الشهيرة التي كتب كلماتها الشاعر الراحل صلاح جاهين، وصارت ماركة مسجلة باسم إيناس جوهر: “غمض عينيك وامشي بخفة ودلع”.
ثم برنامجها “الجديد في ورق سليفان” والذي واكب حركة الإبداع والفن، وقدم قراءات نقدية وثقافية بأسلوب مشوق وجذاب.
وبرنامج “قصة فيلم” و”ألبوم الذكريات”، وهي برامج وثقت من خلالها محطات مهمة في تاريخ الفن السابع، واستضافت فيها أعمدة السينما المصرية.
ولم يقتصر حضورها على الجانب التقديمي فقط، بل امتد لصوتها المميز في السينما والتلفزيون عبر الأداء الصوتي والتمثيل، مثل مشاركتها في مسلسل الأطفال الشهير “كوكي كاك” (1987) ومسلسل “بوجي وطمطم: محطة فلافيلو” (1989)، بالإضافة للمسلسلات الإذاعية مثل “الحبيبة التلاتة” و”رجل المستحيل”.
قيادة العمل الإذاعي
لم تكن إيناس جوهر صوتا إذاعيا مميزا فحسب، بل أثبتت كفاءة إدارية من طراز رفيع عبر تدرجها في المناصب القيادية داخل ماسبيرو حيث عُينت في منصب نائب رئيس شبكة الشرق الأوسط في أكتوبر عام 2000.
ثم تولت رئاسة شبكة الشرق الأوسط رسميا محققة طفرة في المحتوى والانتشار حتى مارس 2005.
وفي 19 مارس 2005، توجت مسيرتها الإدارية بتوليها منصب رئيس الإذاعة المصرية، لتصبح واحدة من القيادات النسائية البارزة التي أدارت هذا المرفق الحيوي بكفاءة واقتدار حتى بلوغها السن القانونية.
خلال فترة إدارتها، أولت اهتماما كبيرا لتدريب المذيعين الشباب على آليات التنفيذ على الهواء، وإدارة الإذاعات الخارجية بمختلف أنواعها
فضلا عن إشرافها المباشر على إذاعة “إف إم” الخاصة بتغطية فعاليات مهرجان الإذاعة والتلفزيون لعدة دورات، ومشاركتها الفعالة في تأسيس قنوات النيل للمنوعات والدراما.
فلسفة الحياة
طوال عقود من العطاء، أطلقت الإذاعية القديرة مجموعة من التصريحات والمواقف التي تعكس فلسفتها في العمل والحياة، ومن أبرز ما ورد في حواراتها السابقة عن علاقتها بالعدسات:
“أنا ما بحبش الكاميرا والكاميرا ما بتحبنيش، ولذلك فضلت دائما سحر الميكروفون والعمل الإذاعي، فالأذن تعشق قبل العين أحيانا، والإذاعة تمنح المذيع مساحة لصنع خيال كامل مع مستمعه”.
وقالت عن دور صلاح جاهين:
“الشاعر الكبير صلاح جاهين هو سر من أسرار نجاحي ونجوميتي، والكلمات التي كتبها لبرنامج (تسالي) لم تكن مجرد جملة، بل كانت تلمس روح المستمع وتدفعه للتأمل، وطريقتي في إلقائها صنعت الفارق”.
أما عن رفض العمل التلفزيوني، صرحت في لقاءات صحفية وتلفزيونية سابقة أن الإذاعي القدير فهمي عمر كان من بين من رأوا أن مكانها الطبيعي هو الإذاعة، ورغم تلقيها عروضا للعمل التلفزيوني، إلا أنها تمسكت ببيتها الأول.
كما كشفت في حواراتها أنها كانت تمتلك موهبة التقليد والتمثيل، وتلقت عرضا من المخرج حسن عبد السلام للمشاركة في مسرحية “المتزوجون” في بداية الأمر، لكن خطواتها استقرت في العمل الإذاعي الذي لم تكن تبحث فيه عن العائد المادي، مسترجعة بذكرياتها أن الأجور في بداياتها كانت بسيطة جدا مقارنة بحجم الجهد، لكن القيمة الحقيقية كانت في الرسالة والجمهور.
وقد توجت هذه المسيرة بالعديد من التكريمات الرفيعة، كان من أبرزها تكريمها من السيدة انتصار السيسي في احتفالية “المرأة المصرية أيقونة النجاح” في مارس من عام 2026، وتكريمها من الهيئة الوطنية للإعلام برئاسة الكاتب الإعلامي أحمد المسلماني في سبتمبر من عام 2025 بتقليدها “وسام ماسبيرو للإبداع” تقديرًا لتاريخها الحافل، بحضور وزير الخارجية الدكتور بدر عبد العاطي، لتظل إيناس جوهر نموذجًا ملهمًا في تاريخ الإعلام العربي.
اكتفاء ذاتي
قرار جوهر بالاعتزال الكامل لم يكن متوقعًا لأنها منذ خروجها إلى التقاعد الإداري، لم تتوقف عن العطاء؛ وظلت تشارك بنشاط وافر كعضو لجان تحكيم، وفي الإشراف على الدورات التدريبية التابعة للهيئة الوطنية للإعلام، وكضيفة عزيزة في البرامج الحوارية لتروي ذكرياتها.
بل أنها صرحت سابقا أنها لا تؤمن بفكره “الاعتزال الإداري أو المهني” بمجرد بلوغ سن المعاش القانوني، حيث قالت إن الإعلامي الحقيقي لا يموت مهنيًا ولا يعتزل العطاء طالما كان قادرًا على تقديم خبرته للأجيال الجديدة، وهو ما طبقته بالفعل لسنوات طويلة بعد خروجها من منصب رئيس الإذاعة المصرية من خلال استمرارها في التدريب والتحكيم.
ولكن في المقابل، كان لها رأي واضح وصارم بخصوص الظهور المتكرر دون هدف، حيث صرحت من قبل بأنها تشعر بالملل من تكرار الأسئلة نفسها في الحوارات التلفزيونية التي تُجرى معها، وأنها لا تحب الظهور لمجرد التواجد أو “سد خانة” في البرامج، معتبرة أن من الذكاء الإعلامي أن يعرف النجم متى يقلل ظهوره ليرحم نفسه ويرحم جمهوره من التكرار، مشيرة إلى أن الجمهور ذكي والظهور دون جديد يخصم من رصيد الإعلامي.
ولم تلمح إيناس جوهر في أي لقاء سابق إلى رغبتها في الانسحاب، بل كان حضورها مفعما بالنشاط، حتى اتخذت قرارها الأخير بـ “اكتفاء ذاتي” نابع من رؤيتها بأنها لم يعد لديها ما تضيفه للمشهد الإعلامي الحالي، مفضلة الحفاظ على الصورة الذهنية الناصعة التي انطبعت في أذهان الملايين عبر العقود.
في تصريح خاص للجمهورية فسرت فيه قرارها الحديث بالبعد عن الأضواء :
طول عمري أؤمن بأن الإعلامي الحقيقي يجب أن يمتلك شجاعة الاختيار، ليس فقط في بداياته، بل في التوقيت الذي يقرر فيه بذكاء أن يترك مقعد الضيف ويفسح المجال للمستقبل. واعتبر أن رصيدي الحقيقي هو محبة الناس، وقد عشت لسنوات أروي كواليس العصر الذهبي للإذاعة التي عشقتها، واليوم أشعر بحالة من الاكتفاء التام والرضا عما قدمته. وقد طوينا دفاتر الماضي واستفضنا في سرد تفاصيل الرحلة، والآن حان الوقت لترك المساحة لما يحمله الغد للأجيال الجديدة. من هنا، اتخذت قراري بكامل إرادتي بالابتعاد النهائي عن الظهور في كل المقابلات التلفزيونية واللقاءات الإذاعية، فلا يوجد في جعبتي تصريحات جديدة أضيفها، وأتمنى من كل الزملاء والمحبين ألا يحملوا في قلوبهم أي عتاب أو ضيق تجاه هذا الموقف، فهو نابع من رغبة مخلصة في الحفاظ على جمال ما تركته في وجدانكم.
منقول عن الجمهورية

