جغرافيا “العار الخام”: حين تبتلع الصناديق السيادية كرامة البشر
في ركنٍ ليس ببعيد من خارطة الوجع العربي، وتحديداً في الكويت، تُنسج فصول مأساة إنسانية تتجاوز حدود العقل والمنطق. نحن أمام “مهزلة” حقيقية، أبطالها ليسوا سياسيين يتصارعون على مقاعد البرلمان، بل أطفالاً وشيوخاً ورموزاً وطنية وجدوا أنفسهم فجأة خارج سياق “الوطن”، بقرارات تجرد الإنسان من أبسط حقوقه في الانتماء.
علي خالد: الرصاصة التي أطلقها الفقر
تبدأ الحكاية بطفل لم يتجاوز الثانية عشرة من عمره، يُدعى علي خالد. لم يطلب عليّ لبن العصفور، بل أراد لعبة ثمنها 12 ديناراً كويتيًا. وحين أدرك أن العوز قد نال من كبرياء والده، اختار الطفل “الحسّاس” أن يرحل عن الدنيا بأكملها، ليوفر على أبيه عبء وجوده.
مأساة علي ليست مجرد حادثة انتحار عابرة، بل هي صرخة في وجه نظام “البدون”؛ أولئك الذين يعيشون على الأرض منذ أكثر من نصف قرن، ممنوعون من التعليم، من العمل، ومن الهوية. إنهم بشر تُحاصرهم دائرة جهنمية، حيث لا شهادة ميلاد تمنحهم حق الدراسة، ولا شهادة تخرج تفتح لهم باب الوظيفة. وحين ييأس الشاب “حمد عبيد” ويلقي بنفسه من الدور الرابع، تكتفي السلطات بتحرير محضر “محاولة انتحار”، وكأنها تعاقبه لأنه لم يمت بصمت!
مقصلة الجنسية: حين تسقط الأقنعة
لم تكتفِ الدولة بحصار الـ 100 ألف “بدون”، بل انتقلت إلى حملة مخيفة لسحب الجنسية من مواطنين خدموا الكويت بدمائهم وعقولهم. كيف يستيقظ حارس مرمى منتخب الكويت التاريخي في مونديال 1982، علي الطربلسي، ليجد نفسه بلا هوية وهو في الرابعة والسبعين؟ كيف يُجرد الدكتور يحيى الحديدي، رائد الطب في البلاد، من جنسيته؟ وماذا عن العميد تركي المطيري الذي دافع عن ترابها، أو حتى السفير بدر العوضي الذي كان يمثلها في لندن؟
إنها مفارقة ساخرة لدولة لا يتجاوز تاريخها الحديث 65 عاماً؛ ففي الوقت الذي كانت فيه القاهرة ترسل المدرسين والأدوات المدرسية للكويت في الأربعينيات، وفي الوقت الذي استقبل فيه الجيران أبناءها المشردين حين اجتاحها الغزو، نراها اليوم تضيق ذرعاً بأبنائها.
تريليونات “الصندوق” وعجز الإنسانية
بينما تتفاخر الكويت بصندوق سيادي تتجاوز أصوله تريليون دولار، وتُنفق الملايين لتأمين البنية التحتية والترفيه في معسكرات القوات الأجنبية مثل “عريفجان”، تعجز الميزانية عن احتواء 150 ألف إنسان وتوفير حياة كريمة لهم. الحجة الرسمية هي “تزوير المستندات”، لكن الحقيقة المرة هي الرغبة في الحفاظ على أرقام “متوسط دخل الفرد” فوق الـ 50 ألف دولار، ولو كان الثمن هو سحق أرواح البشر.
إن ما يحدث في الكويت ليس شأناً داخلياً، بل هو “العار الخام” في القرن الحادي والعشرين. إن إخوتنا هناك يواجهون بؤساً لا يقل قسوة عما نراه في مناطق الصراعات، فأن يستيقظ إنسان ليجد نفسه بلا وطن، هو منتهى القهر.
لا قيمة للنفط ولا معنى للتريليونات إذا كانت لا تستطيع شراء “لعبة” لطفل يحلم، أو توفير كرامة لشيخ أفنى عمره في خدمة بلاده. إن الأوطان تُبنى بالعدل لا بالاستبعاد، وبإعلاء قيمة الإنسان لا بتضخيم الحسابات البنكية.

