مراسل BBC عربية يبكي على الهواء بعد خروج مصر من كأس العالم
تحولت شاشات الإعلام الدولي إلى ساحة للتعبير عن مشاعر الملايين بعد الوداع الدراماتيكي للمنتخب المصري من دور الستة عشر لبطولة كأس العالم، عقب مواجهة تاريخية أمام نظيره الأرجنتيني.
ولم تكن تفاصيل المباراة وحدها هي الحدث الأبرز، بل تصدر المشهد الإنساني للمراسل الرياضي الذي لم يتمكن من حبس دموعه أمام الكاميرا.

يعتبر محمد القاعود واحد من أهم الصحفيين المصريين العاملين في الإعلام الدولي، وهو رجل عرفته المهنة قبل أن يعرفه المشاهدون، وعرفته الكواليس قبل أن تلتقطه الكاميرات.
قضا القاعود سنوات طويلة في العمل الصحفي حتى أصبح مراسلا لـBBC News، تلك المؤسسة العريقة التي تعلم أبناءها قبل أي شيء أن الخبر يسبق المشاعر، وأن الميكروفون لا يعرف الانحياز، وأن المراسل يجب أن يبقى متماسكا مهما كانت الأحداث، لكن هناك لحظات يهزم فيها الإنسان كل قواعد المهنة.
تؤكد الشهادات المهنية ممن زاملوه وتشرفوا بصداقته أنه واحد من أكثر الصحفيين المصريين احترافية وانضباطا واحتراما لأصول العمل الإعلامي.
ولم يُعرف عنه يوما بحثه عن لقطة أو تصدر مشهد، بل كان دائما يبحث عن الحقيقة، ويتركها تتحدث بنفسها، لكن حين يصبح الوطن هو طرف الحكاية، تتغير كل المعادلات.
اللحظة التي هزمت قواعد المهنة
بعد الهزيمة الدرامية التي تلقاها المنتخب المصري أمام الأرجنتين في دور الستة عشر من كأس العالم، لم يكن محمد مجرد مراسل يغطي مباراة كرة قدم، بل كان مواطنا مصريا يرى حلم جيل كامل ينكسر في دقائق، بعد مواجهة قاتل فيها اللاعبون حتى النفس الأخير، وقدموا أداء جعل العالم كله يقف احتراما لهم.
حاول المراسل أن يبدأ تقريره المصور بنفس الهدوء المعتاد، فخرجت الكلمات مرتبة، والنبرة مهنية كما عهدها المشاهدون، لكن مع كل جملة كان الحزن يثقل صوته أكثر.
حاول أن يقاوم، وأن يبتلع الغصة، متذكرا أنه يقف أمام كاميرا عالمية يشاهدها الملايين، لكنه فشل في ذلك.
وفشل لأنه في تلك اللحظة لم يعد مجرد صحفي، بل عاد إنسانا، ومشجعا، وابنا لهذا البلد، حيث لم يتمالك نفسه، وانهمرت دموعه على الهواء، لتسجل الكاميرا لقطة إنسانية مؤثرة تلخص مشاعر ملايين المتابعين.
ولم تكن تلك المظاهر تعبيرا عن ضعف، بقدر ما كانت إحساسا عميقا بقسوة النهاية التي جاءت بعد مباراة رأى فيها كثيرون أن المنتخب المصري كان ندا حقيقيا لبطل العالم، وأن تفاصيل صغيرة وحظوظ المباراة هي من صنعت الفارق، وربما لهذا السبب كانت الدموع أكثر صدقا.
الإنسانية تنتصر على الحياد
في أوقات كثيرة ينجح الصحفي في أن يفصل بين قلبه وعمله، لكن هناك لحظات استثنائية يستحيل فيها هذا الفصل.
فحين يرى الإنسان علم بلاده مرفوعا، ويستمع لنشيدها، ويعيش رحلة منتخب صنع المستحيل ووصل إلى ما لم يصل إليه أحد قبله، يصبح الحياد مهمة شبه مستحيلة على المستوى الإنساني، حتى لو ظل واجبا مهنيا.
دموع محمد القاعود لم تكن مجرد خبر ناقل للحدث، بل تحولت لتكون جزءا من الحكاية، وتعيينا حيا عن ملايين المصريين الذين جلسوا أمام الشاشات وهم يحلمون بعبور تاريخي، ثم وجدوا أنفسهم بعد صافرة النهاية عاجزين عن استيعاب ما حدث.
سيبقى القاعود صحفيا محترفا كما عرفته الساحة الإعلامية دائما، وستبقى تلك اللحظة شاهدا على أن أكثر الصحفيين احترافا قد تهزمهم أحيانا مشاعرهم، ليس لأنهم أقل مهنية، بل لأنهم أكثر إنسانية، إذ لا أحد يستطيع أن يلوم قلبا بكى على وطن.

