صمت القصور .. الى أي مدى يتحمل الانسان تقييدات وصراعات طفولته
الفيلم التونسي “صمت القصور” للمخرجة مفيدة التلاتلي هو واحد من أبرز الأفلام التونيسة، ورغم ان انتاجه يعود الى 30 عاما، ولكنه لا يزل نموذجا رائعا للسينما التونسية وموضوع يدرس لصناع السينما في كل مكان.
نتابع في الفيلم الطويل الأول لمفيدة التلاتلي المراهقة الصغيرة “عليا” (هند صبري في أول أدوارها على الشاشة) التي تعيش في قصر مع أمها الخادمة ومجموعة من الجواري لخدمة أمراء وأسياد عثمانيين يرأسهم كبيرهم “سي علي”.
وتعود “عليا” بذاكرتها بعد أن كبرت وهربت من القصر لتتذكر فترة مراهقتها المحكومة بالقهر والطبقية ومحاولات معرفة أبيها الحقيقي، في ظل تصاعد الاحتجاجات العمالية ضد الاستعمار الفرنسي في تونس في منتصف خمسينات القرن العشرين.
أخرجت مفيدة هذا الفيلم الذي منتجته وتشاركت كتابته مع “نوري بوزيد” بعد سلسلة من الأفلام التونسية المهمة التي عملت على مونتاجها مثل “عمر قتلاتو” لمرزاق علواش، و”الهائمون في الصحراء” لناصر الخمير. ويبدو تفضيلها للقطات الطويلة التي يتحاور بها الشخصيات، والتي إما تكون فيها كاميرتها ثابتة، أو متحركة ببطء للتركيز على انفعالات الوجوه.
وقد استخدمت مفيدة هذه اللقطات الطويلة بكثرة على وجه عاليا وهي تتحدث، أو تغني، أو تسرح في الأشياء من حولها، وهو اختيار منطقي حيث أن “عاليا” شخصية حالمة ومستكشفة للأشياء بعين فضولية من حولها، حتى في لحظات الانتقال بين الحاضر (۲٥ عام) والماضي (۱٤ عام أو ۱٥ عام) تستمر هذه العين الحائرة المتأملة للأيام الخوالي.
يحاول الفيلم طرح تساؤلات عن مدى إمكانية تحمل الإنسان -والفتيات العربيات على وجه خاص- للتقييدات والصراعات الشخصية في صغره قبل أن يستطيع تخطيها والاستمرار بحياته بشكل سوي، ويجسد عالم نسائي مليء بالتفاصيل واليوميات.
حصل الفيلم على المرتبة الأولى في استفتاء أفضل ۱۰۰ فيلم عن المرأة في تاريخ السينما العربية الذي قدم في الدورة الخامسة لمهرجان أسوان الدولي لسينما المرأة بعام ۲۰۲۱.
وقبل ذلك، اختير الفيلم في المركز الخامس لأفضل فيلم عربي حسب استفتاء مهرجان دبي السينمائي عام ۲۰۱۳، وحصد بعام ۱۹۹٤ جائزة الكاميرا الذهبية في مهرجان “كان”.

