“السادة الأفاضل”.. حين تصبح “الواقعية السحرية” مرآة للريف المصري وكريم الشناوي مخرجاً للتفاصيل
بين الحين والآخر، تبرز في السينما المصرية أعمال تكسر جمود القوالب المعتادة، لتعيد صياغة مفهوم “الفيلم المتكامل”. وفي العقد الأخير، لم يثر فيلم جدلاً فنياً ممتعاً كما فعل فيلم “السادة الأفاضل”، الذي لم يكن مجرد تجربة سينمائية عابرة، بل إعلان صريح عن ولادة مخرج عبقري يمتلك أدواته ببراعة مذهلة، وهو كريم الشناوي.
أثبت كريم الشناوي في هذا العمل أنه “حالة خاصة” في مسيرة المخرجين الشباب؛ فقدرته على التنقل بين الأنواع الفنية (Genres) من الدراما القاتمة إلى الكوميديا الهزلية والسريالية، لا تأتي من باب التغيير السطحي، بل من فلسفة بصرية عميقة. الشناوي لا يغير الموضوعات فحسب، بل يبتكر لكل موضوع “لغة بصرية” (Visual Style) تخصه وحده، مما يجعل المشاهد أمام لوحات سينمائية لا تشبه غيرها.
لطالما ارتبط مصطلح “الواقعية السحرية” بالأدب، وظل استحضاره في السينما المصرية محفوفاً بالمخاطر لغياب المرجعية الثابتة. إلا أن “السادة الأفاضل” نجح في أن يكون أول فيلم مصري يستوعب هذا المذهب بعمق. لقد أدرك الشناوي أن القضية ليست في القصة فقط، بل في “الأسلوب الفني” الذي يغلفها.
من خلال معالجة قضية حساسة مثل “فساد الأخلاق في الريف”، استخدم الفيلم عناصر رمزية وبصرية حولت المشاهد إلى كادرات أيقونية (مثل الدبدوب الأخضر الضخم والمومياء). هذه “اللمسة العالمية” نجحت في حل
المعضلة الأزلية في سينمانا: هل الفن للنخبة أم للجمهور؟
ليقدم الفيلم الإجابة النموذجية: الفيلم الناجح هو “إبداع فني” راقٍ ممزوج بـ”متعة جماهيرية” خالصة.
يستمر الفنان محمد ممدوح (تايسون) في إثبات أنه من طراز فريد، حيث استطاع الشناوي تفجير طاقات “تايسون” الكوميدية والتراجيدية في آن واحد. ففي الوقت الذي تموت فيه من الضحك على مواقفه التي تعكس سلوك الفلاح الحقيقي، تجد نفسك أمام مشهد إنساني يجمعه بشقيقه (محمد شاهين) يجبرك على البكاء.
أما الكاست الفني، فقد كان “جوقة” عزف متناغمة؛ أشرف عبد الباقي قدم دوراً أيقونياً، وميشيل ميلاد أكد أنه بصدد تأسيس مدرسة كوميدية جديدة بعيدة عن الابتذال الصاخب، مدرسة تعتمد على الموقف والذكاء.
تتجلى عبقرية السيناريو في شخصية “مبروك” (صاحب محل الحواوشي). فبينما يغرق الفيلم في “كوميديا سوداء واقعية” تصف أحداثاً نراها يومياً، يأتي مبروك كعنصر “خيالي تماماً”؛ هو السوبرمان الفلاح الذي يعدل موازين القوى، فرغم ضآلة جسده، يغلب أشرس البلطجية، ليكون هو الجرعة “السحرية” في واقع الفيلم المرير.
لم يخشَ الفيلم مواجهة الجمهور بحقيقته، فقدم نقداً لاذعاً لآفة “النفاق الاجتماعي”، وكسر وهم “أخلاق الريف” المثالية التي تخفي وراءها قصصاً تضج بها صفحات الحوادث.
وما أكمل هذه الملحمة هي الموسيقى التصويرية التي اتسمت بـ”الصياعة” الفنية، إذا جاز التعبير؛ فقد حولت القصة من مجرد فيلم اجتماعي إلى ملحمة تذكرنا بروح “مائة عام من العزلة” لماركيز، ولكن بنكهة مصرية خالصة.
في النهاية فأن “السادة الأفاضل” ليس مجرد فيلم للمشاهدة، بل هو تجربة بصرية وسمعية تعيد الاعتبار للسينما المصرية كفن وصناعة ورسالة.

