موسيقى

عندما هدم عمرو دياب ألبومه وأعاده من الصفر: قصة الثورة الموسيقية في “علم قلبي”

لم يكن ألبوم “علم قلبي” للفنان عمرو دياب مجرد محطة عادية في مسيرته الفنية الحافلة، بل كان بمثابة ثورة موسييقية وانعطافة تاريخية شكلت ملامح الأغنية العربية الحديثة. ورغم مرور السنوات، ما يزال هذا الألبوم تحديداً يحمل مكانة استثنائية في قلب “الهضبة”، الذي يتذكره اليوم بكثير من الفخر والاعتزاز، وينظر إليه بوصفه الرهان الأكثر جرأة في مشواره؛ رهان كسر السائد وتحدى القوالب الكلاسيكية المستقرة منذ عقود.

وفي حديث استعادي ملهم عن كواليس تلك المرحلة، كشف النجم عمرو دياب عن الأسباب الحقيقية التي دفعت به إلى إعادة صياغة الألبوم بالكامل وتأجيل طرحه، بعد أن كان قاب قوسين أو أدنى من صدوره في صيغته الأولى.

تردد اللحظات الأخيرة ومواكبة الثورة الموسيقية العالمية

يروي “الهضبة” تفاصيل تلك الفترة القلقة قائلاً:

“كنت قد انتهيت تماماً من تسجيل الألبوم في شهر يوليو من عام 2002، بهدف التفرغ التام لإحياء حفلات الصيف والالتزامات الفنية الأخرى. لكنني عندما عدت في شهر سبتمبر، وقبيل الموعد المحدد لطرح الألبوم في الأسواق، انتابني شعور قوي بالتردد، واكتشفت فجأة أن الموضة الموسيقية في العالم قد تغيرت وتطورت بشكل متسارع”.

وأضاف دياب موضحاً الفجوة التي كانت قائمة آنذاك: “الموسيقى في العالم وقتها كانت تتغير وتتجدد كل شهرين تقريباً، بينما كانت الموسيقى السائدة لدينا في العالم العربي يمكن أن تظل راكدة وعلى وتيرة واحدة لمدة قد تصل إلى عشرين سنة. ولأنني كنت حريصاً ومصراً على مواكبة ذلك التطور الموسيقي العالمي ونقل الأغنية العربية إلى آفاق أرحب، اتخذت قراراً صعباً بمراجعة الألبوم موسيقياً من نقطة الصفر، وهو ما كان السبب المباشر وراء تأخير نزوله عن موعده المحدد”.

الرهان على روح الشباب والجرأة اللحنية

لم تكن إعادة الرؤية الموسيقية مجرد رغبة عابرة، بل تطلبت جهداً مضنياً وبحثاً دؤوباً عن عناصر قادرة على استيعاب الفكر الجديد. ويؤكد دياب أنه اعتمد في بناء الشكل الموسيقي للألبوم على خبراء ومتخصصين، وبذل جهداً كبيراً في انتقاء الكلمات والألحان التي تناسب الهوية الجديدة للعمل.

وكانت الخطوة الأكثر جرأة في مسيرة دياب هي إسناد مهمة التوزيع الموسيقي بالكامل إلى دماء جديدة وشابة لم تتجاوز ربيعها الرابع والعشرين وقتئذ، وفي مقدمتهم الموزعان هاني يعقوب وفهد. وعن هذا الاختيار يقول دياب: “كانوا يمتلكون فكراً موسيقياً متطوراً للغاية، فالشباب هم دائماً الفئة الأكثر فهماً واستيعاباً للتغييرات والأنماط الموسيقية الجديدة في العالم”.

ولم يقتصر التجديد على التوزيع، بل امتد ليشمل صناع الألحان؛ حيث شهد الألبوم تعاوناً مثمراً مع الملحنين خالد عز وعمرو مصطفى، إلى جانب تجارب فريدة يذكرها دياب بكثير من البهجة، ومنها تعاونه الأول مع ملحنة شابة: “سعدت جداً بالتعاون مع ملحنة كان اسمها رشيدة الحارث؛ إذ أعجبتني الأغنية بشدة وبعد أن سجلتها بصوتي اكتشفت أن صانعة هذا اللحن فتاة”. كما شهد الألبوم تقديم لحن من الشاعر محمد رفاعي الذي كان يُعرف بكتابة الكلمات قبل ذلك، والتعاون مع ملحن جديد في ذلك الوقت وهو نادر نور. ويلخص دياب تلك التوليفة بقوله: “تقريباً كل الذين شاركوا في صناعة هذا الألبوم كانوا من جيل الشباب، وكانوا يمتلكون جرأة كبيرة وجملًا لحنية مختلفة تماماً عما هو سائد”.

كيف يرى “الهضبة” هذا الإرث اليوم؟

اليوم، حين يسترجع عمرو دياب مسيرته الممتدة لعقود، يحتل “علم قلبي” مكانة الرمز الشاهد على ريادته. وينظر الهضبة إلى هذا العمل بفخر شديد، معتبراً إياه الوثيقة الفنية التي أثبتت صحة رؤيته الاستشرافية؛ فالألبوم الذي قوبل بصدمة وتوجس من بعض النقاد في بداية طرحه نظراً لغرابة توزيعاته واعتماده على موسيقى الـ “R&B” والـ “Nu-Metal” المتطورة، أصبح لاحقاً هو القاموس والمنهج الذي سار عليه جيل كامل من الموسيقيين في العالم العربي. إن شعور الفخر الذي ينتاب دياب الآن نابع من كونه لم يرضَ بالنجاح المضمون، بل جازف باسمه ومكانته ليصنع مستقبل الأغنية، وهو ما يجعل من “علم قلبي” الألبوم الأكثر ثورية ونضجاً في تاريخ الموسيقى الشرقية الحديثة.