تراجع “الحلم الأمريكي”: أعداد المغادرين للولايات المتحدة تتجاوز القادمين إليها لأول مرة منذ نصف قرن
تشهد الولايات المتحدة الأمريكية ظاهرة ديموغرافية واجتماعية غير مسبوقة، تمثلت في تسجيل معدلات قياسية لمواطنين أمريكيين يقررون الهجرة طواعية ومغادرة بلادهم للبحث عن فرص حياة جديدة في دول أخرى. وتأتي هذه الموجة لتعيد صياغة المفهوم التقليدي لـ “الحلم الأمريكي” الذي طالما جذب الملايين حول العالم كوجهة أولى لتحقيق الاستقرار والرفاهية.
ولأول مرة منذ خمسين عاماً، سجلت الولايات المتحدة في عام 2025 ما يُعرف بـ “صافي هجرة سلبي”، حيث تجاوز عدد المغادرين من حاملي الجنسية الأمريكية أعداد الوافدين الجدد إليها؛ إذ تشير التقديرات إلى أن ما بين 210 آلاف و405 آلاف مواطن أمريكي اختاروا الهجرة بمحض إرادتهم.
مؤشرات متصاعدة وضغوط مركبّة
يرى مراقبون أن هذا التحول ليس وليد الصدفة، بل يأتي نتاج تزايد الضغوط السياسية والاجتماعية والاقتصادية. وفي هذا السياق، شهد مؤتمر “الانتقال إلى الخارج” (Move Abroad Con) الذي عُقد في مدينة سان دييجو في مايو الماضي، حضور نحو 600 مواطن أمريكي، وهو ما يعادل ضعف عدد الحضور في العام الذي سبقه، مما يعكس تنامي هذه الرغبة لدى شرائح أوسع.
وقد كشفت استطلاعات الرأي التي أُجريت خلال المؤتمر عن الدوافع الرئيسية وراء قرار الهجرة، وجاءت كالتالي:
89% من الراغبين في المغادرة يعزون قرارهم إلى أسباب ودوافع سياسية.
73% يبحثون عن خوض مغامرات جديدة وتحقيق نمو شخصي.
57% يسعون للهروب من ارتفاع تكاليف المعيشة الحاد وتوفير المال.
نماذج لقصص واقعية
تتعدد وجهات المهاجرين الأمريكيين بتعدد أسبابهم؛ إذ يخطط “جيسي دير” وزوجته، المقيمان في مدينة فينيكس، للانتقال إلى المكسيك. ويعبر “دير” صراحة عن استيائه من القرارات الأخيرة للمحكمة العليا الأمريكية المتعلقة بالحقوق والقوانين، معتبراً إياها تراجعاً إلى الوراء، ومؤكداً أن النموذج السياسي والاجتماعي في المكسيك يتوافق حالياً بشكل أفضل مع قيمه الشخصية.
وفي المقابل، يتطلع “فون برادلي”، وهو موظف حكومي من سان دييجو، إلى الانتقال للعيش في جنوب إسبانيا. ولا يقتصر دافعه على الطبيعة والمناخ الملائمين، بل يركز بشكل أساسي على انخفاض تكاليف المعيشة هناك، رغبةً منه في قضاء فترة تقاعده ببيئة تضمن له نمط حياة ورعاية أفضل.
أعباء مادية وتكلفة باهظة
وعلى الرغم من كلفة الهجرة الباهظة والتعقيدات الإدارية، فإنها لم تعد عائقاً أمام الكثيرين. وتشمل هذه الأعباء رسوم التأشيرات، إعداد الوثائق الرسمية، وتكاليف الشحن ونقل الأمتعة التي قد تصل إلى عشرات الآلاف من الدولارات؛ حيث أنفق زوجان من مدينة شيكاغو أكثر من 20 ألف دولار لنقل مسكنهما وحياتهما بالكامل إلى مدينة فالنسيا الإسبانية.
وينتهي المحللون إلى أن الهجرة العكسية من الولايات المتحدة باتت تمثل في جوهرها محاولة للهروب من بيئة سياسية واجتماعية يراها قطاع من المواطنين “خانقة”. وفي الوقت الذي كانت فيه أمريكا تمثل الوجهة الأولى وملاذ المهاجرين، باتت البيئة الطاردة محلياً تدفع أبناءها للبحث عن دول أخرى توفر مرونة أكبر وتوافقاً مع قيمهم، وضغوطاً أقل على ملاءتهم المالية.

