رحلة البحث عن طبق في صالة “اللونج” بمطار القاهرة.. هل هي خدمة مسافرين أم تجربة لاختبار الصبر البشري؟
يحمل مفهوم “صالة الضيافة” (The Lounge) في المطارات الدولية دلالة ثابتة لدى كل مسافر؛ فهو ذلك الملاذ الهادئ الذي يلجأ إليه المرء هربًا من صخب صالات الانتظار، بحثًا عن قسط من الراحة، أو وجبة خفيفة تجعله يتحمل مشقة الرحلة المقبلة. لكن يبدو أن بعض صالات مطار القاهرة الدولي قررت إعادة تعريف هذا المفهوم، وتحويله من “مساحة للراحة” إلى “تدريب عملي على إدارة الأزمات واختبار الصبر البشري!”.
في تمام الساعة الحادية عشرة والنصف مساء يوم 30 مايو، خطوت داخل صالة “بريميوم بلازا” في مبنى الركاب رقم 1 (ترمينال 1) بمطار القاهرة. كانت التوقعات بسيطة: مكان نظيف، ولقمة قاضية تسد الرمق، وأجواء مهيأة للسفر. غير أن الواقع كان يصنع مشهدًا مغايرًا تمامًا، مشهدًا عنوانه الأبرز: “الفوضى التشغيلية وغياب الانضباط”.
لوحة سريالية من الأطباق الفارغة
المشهد الأول الذي يستقبلك ليس الترحيب، بل طاولات مكدسة بعشرات الأطباق الفارغة، وبقايا المأكولات والمشروبات المتروكة لعوامل الزمن. كان الأمر أشبه بعرض فني حديث يحمل اسم “ماذا يحدث عندما يختفي قسم النظافة؟”. وعلى فترات متباعدة، كانت تظهر عاملة نظافة تتحرك بخطوات وئيدة هادئة، وكأنها تتنزه في حديقة عامة، تلتقط طبقًا أو شوكة، ثم تختفي مجددًا في غياهب الصالة، تاركة خلفها تلالاً من الفوضى.
عند الانتقال إلى منطقة الطعام، تصدمك “سعة الأفق” في التخطيط؛ أوانٍ متوسطة الحجم من تلك التي تُستخدم لإعداد وجبة عائلية صغيرة لا تكفي سوى ثلاثة أو أربعة أشخاص، وكانت جميعها بالطبع.. فارغة! أما ركن الحلويات فبدا وكأنه يؤدي دورًا وطنيًا صارمًا في ترشيد الاستهلاك، إذ خلع ثوب الوفرة تمامًا ولم يكن يحتوي على أي شيء على الإطلاق.
“حالًا”.. الوحدة الزمنية المفقودة
إن إدارة الوقت داخل الصالة تخضع لفيزياء خاصة جدًا. فبعد خمس عشرة دقيقة من الانتظار، تكرم العامل المكلف بالطعام بجمع الأواني الفارغة تمهيدًا لإحضار أخرى. وبعد عشر دقائق إضافية، وصل الطعام الجديد، ليدخل في مرحلة انتظار أخرى حتى يتم تنظيف السخانات والمكان المحيط بها! والمثير للدهشة أن هذا الوقت كان متاحًا بالكامل قبل وصول الطعام، لكن يبدو أن عنصر المفاجأة وضياع الوقت جزء أصيل من “الخدمة المميزة”.
ولم تنتهِ المعاناة هنا؛ إذ وُضعت الأطعمة فوق السخانات وهي باردة تمامًا، في رسالة غير معلنة للمسافرين مفادها: “انتظروا قليلًا حتى يكتمل نضج الوجبة للمرة الثانية”. أما الحلويات فقد حظيت بمشهد احتفالي قصير، حيث ظهرت لدقائق معدودة ثم تعرضت لعملية “اختطاف غامضة” واختفت، لتعود بعد نحو اثنتي عشرة دقيقة دون أي تفسير منطقي.
وسط كل هذا, برزت اللعبة التفاعلية الكبرى للأمسية: “ابحث عن طبق”.
كلما توجهت للحصول على طعام، تجد الأطباق قد نفدت. تسأل الموظف، فيأتيك الرد الجاهز والمعلب: “هنجيب”. تسأل عن الشوك أو الملاعق، فتسمع السيمفونية ذاتها: “جاية حالًا”. ويبدو أن “حالًا” في هذه الصالة هي وحدة زمنية مطاطة للغاية، لم تعتمدها بعد أي منظمة دولية للمقاييس والموازين!
غياب المتابعة وإهدار الواجهة السياحية
إن تفكيك هذه التجربة المريرة يقودنا إلى نتيجة واحدة: المشكلة لم تكن أبدًا في نقص الإمكانيات أو التدفق المفاجئ للزوار، بل كانت في مشهد متكامل من الإهمال، وضعف المتابعة، وقلة الانضباط، وسوء التنظيم.
بصفتنا مسافرين، زرنا الكثير من صالات المطارات حول العالم؛ الإقليمية منها والدولية، الغنية والمتواضعة، لكننا لم نشهد من قبل هذا المستوى من التراجع التشغيلي في مكان يُفترض أنه يمثل “الواجهة الأولى” لمصر أمام الزوار والمسافرين. إن صالات المطارات ليست مجرد مطاعم، بل هي مرآة تعكس كفاءة إدارة المرفق الجوي بأكمله.
إن رصد هذا التوقيت باليوم والساعة (الحادية عشرة والنصف مساء 30 مايو) ليس من باب الشكوى لمجرد الشكوى، بل هو بلاغ مفتوح موجه إلى هيئة مطار القاهرة الدولي. نضعه أمام أي مسؤول يمتلك غيرة على اسم هذا الوطن وصورته أمام العالم، لعل وعسى يتحرك قطار المحاسبة والمتابعة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.
لقد خرجت من تلك الصالة ولم يغادرني شعور واحد لخص الحكاية كلها: يا ليتني ما زرتها!

