سينما عالمية

مراجعة: فيلم Disclosure Day وعودة سبيلبيرغ إلى هواجسه الكونية

في فيلمه “يوم المكاشفة” (Disclosure Day)، يجدد المخرج المخضرم ستيفن سبيلبيرغ إبحاره في سؤاله الوجودي القديم حول العوالم الأخرى، لكنه هذه المرة لا يكتفي بمحاولة إقناع المشاهد بوجود جيران لنا في هذا الفضاء الفسيح، بل يدق ناقوس خطر أخلاقي وحضاري أكثر تعقيداً يتلخص في سؤال جوهري: ماذا بعد اللقاء الفعلي؟ وكيف سيكون سلوكنا البشري تجاه كائنات تختلف عنا في كل شيء؟

ويتحول الفضاء في هذا العمل إلى مرآة تعكس أزماتنا الإنسانية؛ فـ “الآخر الفضائي” هنا ليس سوى إسقاط رمزي على المهاجرين، والأقليات، وكل من نصنفهم كغرباء، وهي تيمات تلامس الجذور الفكرية والنشأة الإنسانية للمخرج نفسه.

بوابات متعددة لولوج عالم “يوم المكاشفة”

يُبنى الفيلم كشبكة معقدة يمكن تفكيكها عبر مسارات وزوايا رؤية متباينة، حيث ينطلق أولاً من الزاوية السياسية والواقعية التي تتقاطع مع الواقع المعاصر مستلهمة زخم التناقضات السياسية من تصريحات باراك أوباما الغامضة حول الأطباق الطائرة وسخرية دونالد ترامب منها، إلى طموحات إيلون ماسك الجامحة في استعمار المريخ وصولاً إلى نزوع القوى العظمى نحو السيطرة والنفوذ. كما يتجلى الفيلم عبر خط التشويق والثورة الرقمية من عتبة الإثارة السياسية عبر شخصية تتقاطع ملامحها الجوهرية مع المناضل الرقمي جوليان أسانج، ذلك المسرّب الذي يضع الحقيقة في متناول الشعوب ليمتلكوا زمام معرفة مصيرهم، وتبرز في العمق بالتوازي مع ذلك روح سبيلبيرغ المتسامحة التي تنشد الغفران وتقبل الآخر في مواجهة عالم مادي محكوم بصراع القوى وغلبة القوي على الضعيف.

سيناريو تقليدي ومخيلة محاصرة بالماضي

رغم الأبعاد الفلسفية، يعتمد الفيلم على حبكة تقليدية تقسم العالم حدياً بين أبيض وأسود دون مساحات رمادية، وينطلق العمل من فرضية منطقية بأننا لسنا وحدنا في هذا الكون، لكنه يسقط في فخ “أنسنة الفضائيين” حيث يعجز الخيال البشري عن ابتكار كائنات لا تشبهنا فيجعلها أدنى ذكاءً أو مشوهة. وفي المقابل، تظهر الشفرات الفضائية في الفيلم بأسلوب طفولي أشبه بسينما السبعينيات حيث تتواصل الكائنات عبر رسومات في حقول القمح أو رسائل تُبث عبر شاشات التلفزة الكلاسيكية (CNN)، ورغم الميزانية الضخمة المرصودة تبدو أدوات سبيلبيرغ السينمائية هنا مألوفة جداً وكأن مخيلته الاستثنائية آثرت البقاء في منطقة الأمان دون المغامرة بقفزة نحو الجنون الإبداعي.

لم يكن الفيلم وليد الصدفة، بل فكرة رافقت سبيلبيرغ لعشرين عاماً كهاجس دائم يسعى لتجسيده، حيث صاغ المخرج تفاصيلها في 52 صفحة من الملاحظات الهاتفية ليسلمها إلى كاتب السيناريو المفضل لديه ديفيد كوب صاحب روائع Jurassic Park وWar of the Worlds، ليصنعا معاً تعاونهما الخامس.

الأداء التمثيلي: طوق النجاة للحبكة

إن ما أنقذ القصة خطية البناء من الركود هو الأداء الباهر لطاقم العمل؛ حيث تقدم إميلي بلانت أحد أنضج أدوارها في شخصية “مارغريت فيرتشايلد”، مذيعة الأرصاد الجوية التي تواجه حقيقة كونية تتجاوز استيعابها، ليتسرب الأداء إلى وجدان المشاهد ببطء يوازي تدرج الشخصية نفسها في فهم ما يحدث. وفي المقابل، يبتعد جوش أوكونور تماماً عن النمط التقليدي للبطل السينمائي المريح ليجسد في شخصية “دانيال كلنر” صورة العالم والمخبر المستلهمة من روح جوليان أسانج، كإنسان يدرك تماماً أن انحيازه للحقيقة سيكلفه كل شيء ومع ذلك يمضي في طريقه دون مبالاة، أما كولن فيرث فقد غزل ملامح شخصيته بسلاسة واقتدار من روح البيروقراطية وسلطوية المؤسسات الحكومية التي لا تشغلها الأسئلة الكونية بقدر ما يهمها إثبات نفوذها وفرض هيمنتها.

جماليات الصورة البصرية والتقنية

يبرز سحر السينما الكلاسيكية من خلال اختيار سبيلبيرغ ومدير تصويره يانوش كامينسكي الاعتماد على شريط (35mm) وعدسات تمنح الكادرات عمقاً واتساعاً كلاسيكياً يناسب هيبة الكون، مع استخدام محدود للكاميرا الرقمية المحمولة في المشاهد الديناميكية، وقد طغت على افتتاحية الفيلم أجواء السينما السوداوية (Noir) من خلال جماليات الغموض والتشويق مع حركة كاميرا دؤوبة تحافظ على حالة من القلق البصري اللطيف لدى المشاهد. وفيما يتعلق بالمؤثرات الواقعية، تم تفضيل الخدع البصرية الحية والواقعية على المؤثرات الرقمية المفرطة، فكانت الاصطدامات وتحطم السيارات في الفيلم حقيقية ونفذت بالفعل على أرض الواقع.

ختاماً..

رغم الإتقان الحرفي البالغ، يترك الفيلم تساؤلاً جوهرياً حول ما إذا كان التميز التقني يكفي عندما تخبو الرؤية المبتكرة، خاصة أن المخرج الذي أحدث ثورة في تاريخ السينما بفيلم Jaws وأعاد تعريف سينما الحروب في Saving Private Ryan يقدم هنا رؤية بدت مقيدة بنظريات قديمة لتبقى مخيلته رهينة زوايا مألوفة دون أن تحلق بعيداً خارج الأطر التقليدية.