الهجوم الموسمي المستدام: كيف تحوّل التنبؤ بفشل عمرو دياب إلى “طقس ثابت” قبل كل ألبوم؟
“أبشع ما في الديمقراطية أنها تجبرك على سماع كل الأصوات” .. مفهوم يتجلى بوضوح في المشهد الفني والموسيقي العربي، حيث يتعرض المبدعون بانتظام لسيول من الأحكام النقدية المتسرعة التي تفرضها المنابر المفتوحة، قبل أن يأتي الزمن ليغربل تلك الآراء ويُبقي على الأثر الحقيقي.
وعمرو دياب يعتبر النموذج الأبرز في العصر الحديث على صراع الفنان مع النقد اللحظي، وصموده الممتد لعقود.
البدايات المثيرة للجدل: معارك “ميال” والجيل القديم
منذ قرابة ثمانية وثلاثين عاماً، وتحديداً مع إطلاق ألبوم “ميال” في أواخر ثمانينيات القرن الماضي، واجه عمرو دياب موجة عنيفة من الهجوم الإعلامي.
حظيت إطلالته بإنكار من الإعلامي الراحل مفيد فوزي، الذي وصفه في برنامج تلفزيوني شهير بأنه “مؤدٍ وليس مطرباً”، متوقعاً أن تكون تلك الموجة الموسيقية مجرد “موضة عابرة” لن تعيش طويلاً.
بالتوازي مع ذلك، قاد الموسيقار الراحل حلمي بكر جبهة نقدية مستمرة ضد التجربة الموسيقية لدياب، وظل يلاحق إصداراته المتعاقبة برؤية أكاديمية صارمة لم تخفف من حدتها السنوات، حتى آثر الابتعاد عن التعليق في فتراته الأخيرة.
محطة 2003: صدمة “عِلّم قلبي” والانقلاب الموسيقي
يمثل عام 2003 نقطة تحول كبرى في مسيرة عمرو دياب عندما طرح ألبوم “علم قلبي”، والذي اعتبره المتخصصون لاحقاً نقلة نوعية في التوزيع الموسيقي وإدخال الإيقاعات الغربية الحديثة إلى الأغنية العربية.
ورغم قيمته الفنية الحالية، إلا أن الألبوم جوبه وقت صدوره باستهجان جماهيري ونقدي واسع، وصاحب ذلك تراجع مؤقت في مبيعات الكاسيت لصالح ألوان غنائية تقليدية كانت سائدة حينها.
وذهبت بعض الأقلام الصحفية آنذاك إلى إعلان “نهاية الحقبة الذهبية لعمرو دياب”، وهو حكم أثبتت الأيام عدم دقته.
تصريحات المنتجين والزملاء: توقعات بالأفول
استمرت التوقعات التي تتنبأ بتراجع نجومية “الهضبة” من قِبل صناع الموسيقى أنفسهم:
صرحت الفنانة ميادة الحناوي قبل أكثر من خمسة عشر عاماً بأن لون عمرو دياب الغنائي بات متكرراً، معتبرة أن انفصاله عن المنتج محسن جابر يعد خطأً كارثياً سيودي بمسيرته.
عقب النجاح الكبير لألبوم “وياه” عام 2008، أطلق المنتج محسن جابر تصريحاً شهيراً توقع فيه أن نجومية عمرو دياب ستنتهي في غضون عامين فقط.
في عام 2017، أثارت الفنانة شيرين عبد الوهاب جدلاً واسعاً بتصريحات عفوية في إحدى المناسبات الخاصة، أشارت فيها إلى أن زمن عمرو دياب قد انتهى بحكم تقدم السن، وهي التصريحات التي واجهت هجوماً جماهيرياً كبيراً نظراً للمكانة التاريخية للفنان.
استراتيجية الصمت والرد بالإنتاج الفني
تكمن القوة الحقيقية في تجربة عمرو دياب في استراتيجية الصمت الإعلامي المطبق؛ حيث لم يُؤثر عنه الدخول في مهاترات صحفية أو ردود كلامية على منتقديه. وجاءت ردوده دائماً عبر الاستوديو ومنصات الحفلات.
ألبومات مثل (بناديك تعالى، شفت الأيام، معدي الناس، وسهران) واجهت جميعها انتقادات لاذعة فور صدورها، وسخرية من بعض المصطلحات الشعبية (مثل “برج الحوت” أو “يوم تلات”)، لتتحول بعد أشهر قليلة إلى الأغاني الأكثر استماعاً وطلباً في الحفلات والمناسبات الاجتماعية.
الاستقلالية الفنية لعمرو دياب وواقعها الفني
فيما يتعلق بعناصر الاستقلالية الفنية لعمرو دياب، فقد تداول الكثيرون فرضية ارتهان نجوميته لملحن واحد مثل عمرو مصطفى، إلا أن الواقع الفني أثبت عكس ذلك تماماً؛ حيث واصل دياب تحقيق النجاحات الكبرى لسنوات طويلة دون الاعتماد عليه.
أما على صعيد الاستقلال الإنتاجي، فقد تنقل “الهضبة” بمرونة فائقة بين كبريات الشركات الفنية في العالم العربي مثل صوت الدلتا، وعالم الفن، وروتانا، لينتهي به المطاف لتأسيس شركته الخاصة “ناي” ليدير أعماله بشكل مستقل تماماً.
وفيما يخص دعم المواهب الشابة، فقد تجلى واقع دياب الفني في اعتماده بمواسم متعددة على دماء جديدة من الشعراء والملحنين المبتدئين، والذين فتح لهم أبواب النجومية ليصبحوا لاحقاً من صناع الموسيقى ونجوم الصف الأول في الساحة الفنية.
إن محاولة صياغة وعي جمعي يرفض التجدد الموسيقي تندثر دائماً أمام حقائق الأرقام والاستمرارية.
يبقى عمرو دياب، بعد عقود من العطاء، الرقم الأصعب في معادلة الموسيقى العربية، محتفظاً بحضوره الطاغي على خشبة المسرح، ومثبتاً أن حكم الزمن هو النقد الحقيقي الوحيد.

