سينما عالمية

أساطير الصورة والكادر: مهرجان آنسي يرسخ تقليده السنوي ويحتفي بصناع البهجة والجرأة البصرية

لا تكتمل طقوس مهرجان آنسي الدولي لأفلام الرسوم المتحركة بمجرد عرض الأفلام ومنح الجوائز، بل إن جوهر هذا الحدث العالمي يكمن في تقليده الراسخ المتمثل في الاحتفاء بالقامات الإبداعية الكبرى التي صاغت خيال الأجيال. وفي دورته الأخيرة، تحول المهرجان، ومعه سوق الفيلم (Mifa) والمدينة الدولية للرسوم المتحركة، إلى ساحة مفتوحة للاحتفاء بأسماء تركت بصمة لا تُمحى في سينما الكادر الواحد.

هذا التقليد السنوي يتيح للجمهور وصناع السينما فرصة نادرة للاقتراب من عوالم المبدعين من خلال الشاشات، وورش العمل الحصرية، وجلسات الحوار التي تكشف أسرار الصناعة. وجاءت قائمة ضيوف الشرف لتعكس هذا المزيج الفريد بين عمالقة الاستوديوهات التجارية الكبرى والسينمائيين المستقلين الذين يدفعون بالوسيط نحو آفاق تجريبية جديدة.

وفيما يلي تقرير صحفي يستعرض أبرز الوجوه الإبداعية التي تصدرت مشهد التكريم والاحتفاء في آنسي:

“كريستال الشرف” لعرّاب السخرية مايك جود وأساطير التحريك الورقي

في مقدمة الأسماء التي حظيت بتكريم استثنائي، جاء المنتج والمؤلف الأمريكي المخضرم مايك جود (Mike Judge)، مبتكر السلسلة الأيقونية Beavis & Butt-Head. المهرجان منحه جائزة “كريستال الشرف” تقديراً لمسيرة امتدت لأكثر من ثلاثة عقود، نجح خلالها في الانتقال بسلاسة بين الرسوم المتحركة والسينما الحية، مقدماً نموذجاً فذاً في السخرية الاجتماعية والنقد السياسي اللاذع الموجه للبالغين.

وفي لفتة تعكس تقدير المهرجان للعمق الفني، تم منح “كريستال الشرف” أيضاً للأخوين كواي (The Brothers Quay)، السينمائيين الأسطوريين في مجال تحريك العرائس (Stop-Motion). التكريم حظي بإشادة واسعة من أقطاب السينما العالمية، مثل كريستوفر نولان الذي لا يخفي تأثره بعوالمهما الغامضة. الإدارة الفنية للمهرجان أكدت أن تكريم الأخوين كواي هو رسالة لحماية التوازن بين هوليوود التجارية وبين الحرفيين المستقلين الذين يمثلون الجذور الحقيقية لسينما التحريك.

لقاء العمالقة: من صناع “المينيونز” إلى مخرجي الملاحم الحية

شهدت منصات آنسي حضوراً لافتاً لثنائيات إبداعية غيرت مفاهيم شباك التذاكر العالمي؛ حيث التقى الجمهور بالمنتج كريس ميليداندري والمخرج بيير كوفين، العقلين المدبرين وراء ظاهرة المينيونز وسلسلة Despicable Me. وفي المقابل، حظي المخرج والمنتج ترافيس نايت (Travis Knight)، رئيس استوديوهات LAIKA الشهيرة بـ Coraline، باستقبال حافل عزز من مكانة سينما الكادر الواحد المتجددة.

ولم تقتصر منصات التكريم على الأسماء المتخصصة في التحريك فحسب، بل امتدت لتشمل صناع سينما حية بارزين خاضوا تجارب بصرية مذهلة، يتقدمهم المخرج المكسيكي الحائز على الأوسكار ألفونسو كوارون (Alfonso Cuarón)، والمخرج الأمريكي براد بيرد (Brad Bird) صاحب الروائع الكلاسيكية مثل The Iron Giant وThe Incredibles. كما سجلت النجمة العالمية ناتالي بورتمان حضوراً مميزاً إلى جانب الممثلة الفرنسية أودري توتو والمخرج والكوميدي البريطاني ريكي جيرفيه.

جيل المستقبل والمدينة الدولية الجديدة

تزامن هذا الاحتفاء مع حدث تاريخي للمدينة، تمثل في تدشين “المدينة الدولية لسينما الرسوم المتحركة” (Cité internationale du cinéma d’animation) في موقع “Haras d’Annecy” الأثري. هذا المشروع الثقافي الضخم، الذي بلغت تكلفته نحو 54.5 مليون يورو، افتتح أبوابه ليكون متحفاً دائماً وحاضنة فنية تعمل على مدار العام، مكرسة لحفظ تاريخ هذا الفن ونقله إلى الأجيال الجديدة.

وقد شهدت منصة “ميفا كامبوس” المخصصة للمواهب الشابة رعاية استثنائية من المنتجة الكندية كاثرين ويندر (Catherine Winder)، رئيسة شركة Wind Sun Sky والملقبة بـ “العرّابة” الفنية لجيل الشباب هذا العام، حيث قدمت دروساً سينمائية ملهمة حول كيفية دمج التكنولوجيا الحديثة بالقصص الإنسانية.

إن استمرار مهرجان آنسي في إحياء هذا التقليد السنوي يبرهن على أن الرسوم المتحركة ليست مجرد تقنية بصرية، بل هي لغة سينمائية كبرى، تتغذى على تكريم روادها الأوائل، وفتح الأبواب مشرعة أمام المبتكرين الذين يعيدون تشكيل وعينا البصري خلف الشاشات.