اخر الأخبارمقالات

كيف تحول طه الدسوقي إلى نسخة أكثر تناحة من عمرو وهبة؟

يبدو أن الفنان الشاب طه دسوقي كان محقاً في جانب واحد من هجومه الأخير على الإعلام والصحافة، فالواقع يؤكد أن مصر تعيش حالياً أزمة حقيقية تتجلى في غياب إعلام مؤثر وقادر على صناعة الوعي، تماماً كما تعيش في الوقت ذاته حالة من الجدب الفني وغياب الإبداع الحقيقي المحرك للمجتمع  

لقد كانت المرحلة التي تلت عام 2011 هي آخر العهد بإعلام وفن يمتلكان أدوات التأثير والجاذبية في المنظومة المصرية، ومنذ ذلك الحين بدأ المنحنى في التراجع المتسارع من القمة الشاهقة حتى استقر في القاع، لنصل اليوم إلى ما يمكن تسميته بمرحلة “الـلاشيء”، حيث يسود وهم جماعي يجعل كل عابر في هذا المشهد يظن واهماً أنه يقدم عملاً ذا قيمة وأثر مستدام  

إننا نعيش في زمن أصبحت فيه الخوارزميات الرقمية قادرة على تخليق أبطال وهميين بين ليلة وضحاها، مكنة ضخمة تقوم على بضعة مشاركات عبر منصات التواصل الاجتماعي، واستضافات متبادلة في حلقات “البودكاست”، مدعومة بجيوش من اللجان الإلكترونية الموجهة لإثارة الهياج الافتراضي، ليتفاجأ الجمهور في الصباح بهؤلاء وقد تصدروا الأفيشات السينمائية وأصبحوا بقدرة قادر “نجوم نجوم” هذا العصر، على حد تعبير الشاعر العبقري الراحل نجيب سرور

الخوارزميات تصنع اليوم أبطالاً من ورق.. والبالونات الممتلئة بهواء السوشيال ميديا تفرقع عند ملامسة الواقع

ويأتي طه دسوقي كأحد أبرز ضحايا هذه الظاهرة المعاصرة؛ فقد بدأ الشاب مسيرته كـ “ستاند أب كوميديان” يمتلك بعض اللمحات الضاحكة النابعة من كونه قريباً من نبض الشارع وهمومه، لكن الدفع به فجأة إلى مصاف الممثلين كشف الحقيقة العارية، حيث ظهرت إمكانياته الفنية الأضعف من الضعيفة وموهبته المحدودة للغاية، إلا أن آلة النفخ الإعلامي والافتراضي استمرت في العمل دون تراجع، حتى صدق الشاب الفرية وانعزل في منطقة خاصة به توهم أنها الصدارة  

هذه المنطقة البعيدة ليست سوى حالة من الانعزال الكامل عن الواقع الحقيقي، تحجب عن الممثل رؤية حجمه الفعلي، وتمنعه من إدراك نظرة الجمهور إليه كشاب محظوظ ركب موجة الاستسهال، وفي هذه العزلة تحديداً، يبدأ فيروس “لزوجة الدم” في التغلغل ليفقد الفنان عفوية البدايات  

إن ما يمر به طه دسوقي اليوم يمثل ذات الدورة البيولوجية والفنية التي مر بها سابقاً عمرو وهبة، والذي بدأ بتقديم مقاطع فيديو واقعية ومضحكة على الإنترنت، لكن فور انخراطه في ذات الدائرة المغلقة، تحول إلى نمط “حكيم زمانه” المصاب بهوس ملاحقة “التريندات”، وصياغة المنشورات المصطنعة لانتزاع الضحكات قسراً، فضلاً عن متلازمة “دفتر الحضور والانصراف” عبر التواجد في كل حدث وإلقاء التنظيرات التافهة والإيفيهات المستهلكة لإثبات الوجود  

هذا التحول السلبي ينشأ بالأساس حين ينقل الكوميديان -المطالب باستمداد طاقته من طين الشارع ونبضه- أوراقه بالكامل إلى خانة “إيجيبت”، ليجد نفسه محاطاً بأوساط معزولة ترتاد كافيهات المناطق المخملية في الشيخ زايد والتجمع الخامس، وهو عالم بلاستيكي يتسم بالتناحة والانفصال عن أي نبض حقيقي، حيث يتبادل أفراده المديح والمجاملات داخل فقاعة وهمية يظنونها مركز الكون  

ويبقى السؤال الموجه لطه دسوقي ولأفراد ظاهرة النجومية المصنوعة: متى تكون المواجهة الصادقة أمام المرآة لفهم حقيقة هذه الموهبة غير المثقلة بأساس حقيقي؟

فالجلوس الدائم في غرف التكييف المغلقة وسط تصفيق الصحب والمحيطين على كل هراء، لن يغير من حقيقة أن هذه النجومية مجرد بالونة منفوخة بهواء السوشيال ميديا، والبالونات مهما سمت واقتربت من السماء، فإنها تفرقع عند ملامستها لأول دبوس من دبابيس الحقيقة الإبداعية .