تلفزيون

بين الأداء العاطفي والتعثر الإخراجي: قراءة في مسلسل I Wanna Be Sup’tar

هل شاهدت من قبل جثتين تتبادلا القبلات ؟ إذا لم تفعل، فهذه أفضل فرصة لاكتشاف هذا النوع من الرومانسية الباردة.

نحن هنا نتحدث عن النسخة التايلاندية الأحدث من مسلسل I Wanna Be Sup’tar والذي تقتسما فيه البطولة كل من نيتشابالاك ثونغكام وبيل جيراتشايا كيتتافورنساكون وعرض على نتفليكس في فبراير ٢٠٢٦.

هذه النسخة من الرواية تتمحور حول علاقة وين ووانيونج، يظهر فيها التباين الحاد كسمة جوهرية صنعت هوية المسلسل؛ فوين تمثل شخصية النجمة المثقلة بقيود الشهرة ونمط الحياة المنظم، في حين تأتي وانيونج كعنصر فوضوي وعفوي يقتحم هذا العالم المحصن، ليصبح هذا الاصطدام بين العالمين المحرك الأساسي الذي يمنح العمل حيويته.

تكمن قوة هذا المسلسل ليس في تقديم حبكة مبتكرة، بل في البراعة التي أعيد بها تدوير قوالب الدراما التايلاندية المعتادة.

فقد تحولت حلقات سوء الفهم المتكرر، التي غالباً ما تبدو مستهلكة، إلى لحظات تكشف عن نضج تدريجي في العلاقة، حيث يتحول التنافر في البداية إلى تكامل إنساني ومهني في نهاية المطاف.

وهذا التحول هو ما يمنح المشاهد ارتباطاً عاطفياً بالشخصيات، بعيداً عن مجرد المتابعة السطحية للأحداث.

من ناحية أخرى، خدم المسلسل من ناحية المحتوى، الطريقة التي سلط بها العمل الضوء على كواليس صناعة الترفيه في تايلاند. فقد نجح في تجسيد الضغوط التي تفرضها مواقع التواصل الاجتماعي والشائعات الإعلامية، مما جعل القصة تبدو أقرب للواقع المعاصر، رغم ميل الإيقاع أحياناً نحو المبالغة الدرامية.

ومع ذلك، فإن هذا الميل للمبالغة جاء أحياناً على حساب الأدوار الجانبية التي كانت تمتلك إمكانات أكبر لو تم استغلالها بعمق.

فنياً، كان في صالح العمل بوضوح؛ الاهتمام الواضح بالتفاصيل من أزياء وسينوغرافيا يعكس وعياً بصرياً ذكياً ويتناسب مع طموح المسلسل في تصوير حياة المشاهير.

ومع وجود بعض الثغرات في السيناريو التي كان يمكن تلافيها، يبقى هذا المسلسل تجربة ترفيهية متكاملة تقدم رسالة واضحة حول التوازن بين طموح الوصول إلى القمة والحفاظ على الجوهر الإنساني وسط بريق الشهرة الزائف.

مآخذ فنية

على الجانب البصري، يُسجل اعتماد المسلسل على “لوحة ألوان” مشبعة ودافئة تخدم الطابع الرومانسي للقصة، لكن ايضا فشل مدير الإضاءة وقت استخدام إضاءة الاستوديو القوية في مشاهد معينة، مما أدى أحياناً إلى تقليل الواقعية المطلوبة في اللحظات التي يفترض أن تعكس حياة النجوم بعيداً عن الكاميرات.
اما التركيز على الأزياء (Styling) كان نقطة مضيئة، حيث عكست الشخصيات من خلال ملابسها تطورها النفسي، وهي تقنية سينمائية نجحت في إيصال الحالة المزاجية دون الحاجة للحوار.
وفيما يتعلق بالسيناريو، تظهر الملاحظات النقدية تكراراً في “نمط الصراعات” (Conflict Pattern)، حيث يعتمد العمل بشكل مفرط على عنصر “سوء الفهم” كأداة وحيدة لتحريك الأحداث، مما يؤدي إلى تباطؤ في إيقاع الحلقات الوسطى.

و الحوار كان يميل في بعض المواقف إلى المباشرة الزائدة، بدلاً من استخدام التقنيات الدرامية “للإظهار بدلاً من الإخبار” (Show, Don’t Tell)، خاصة عند محاولة توضيح مشاعر النجوم تجاه ضغوط الشهرة.

وعلى صعيد الأداء التمثيلي، تنال الكيمياء بين الشخصيات تقديراً فنياً عالياً، حيث نجح الأداء الحركي (Physical Acting) في تعويض بعض فجوات السيناريو.

ومع ذلك، هناك ملاحظة تقنية تتعلق بـ “المونتاج” (Editing)، حيث جاءت الانتقالات بين المشاهد الكوميدية والمشاهد الدرامية العميقة مفاجئة أحياناً، مما أثر على تماسك النبرة العامة للعمل (Tone Consistency).

 

مشاهد القبلات الباردة

على صعيد المعالجة الإخراجية، يتحمل المخرج وحده المسئولية تجاه الطريقة التي صُورت بها مشاهد القبلات، حيث خرجت سطحية وتفتقر إلى العمق العاطفي المطلوب، مما جعلها تبدو ساذجة ولا تليق بعمل درامي موجه لفئة عمرية تجاوزت مرحلة الطفولة.

كما تسببت الرؤية الإخراجية في ظهور القبلات بشكل جاف ومفتعل، وهو ما خيب آمال شريحة واسعة من عشاق مسلسلات الـ GL الذين كانوا يتوقعون تصويراً أكثر واقعية ورومانسية تتماشى مع تصاعد الأحداث، وبدا هذا التوجه الإخراجي أقل من المستوى المأمول وأثر سلباً على مصداقية العلاقة العاطفية بين الشخصيتين.
في المقابل، يُعد الأداء التمثيلي للنجمتين نيتشابالاك ثونغكام وبيل جيراتشايا كيتتافورنساكون العنصر الأبرز الذي أنقذ العمل ومنحه قيمة فنية حقيقية.

فقد قدمت الممثلتان أداءً ناعماً وعميقاً تجاوز حدود الرومانسية التقليدية، متجسداً في كمّ كبير من الحنان والرفق والرقة الذي طغى على تفاصيل تعاملهما معاً. هذا التناغم العالي في أداء نيتشا وبيل نجح في تجسيد معاني الشراكة الإنسانية الحقيقية، حيث غلبت مشاعر المودة والاحتواء على مجرد التمثيل العاطفي، مما جعل تفاعلهما يبدو صادقاً ومؤثراً على الشاشة، وجبر الكثير من القصور الذي خلفته المعالجة الإخراجية غير الموفقة.

من ناحية اخرى، تثير الحلقة الأخيرة تساؤلات نقدية حادة حول التسرع في حبكة الخاتمة، حيث بدت مجريات الأحداث أقرب إلى المعالجة الملفقة التي تفتقر للمنطق الدرامي المتماسك.

يظهر هذا التخبط بوضوح في التحول الجذري لشخصية “ماي”، التي انتقلت من الحقد والغل إلى التسامح المطلق فجأة، وكأنها تأثرت بشهاب سقط عليها من السماء أو بضربة حظ إعجازية محت تاريخها من الصراعات دون مقدمات مقنعة. ولم يتوقف الضعف عند هذا الحد، بل امتد ليشمل عدم منطقية تصرف البطلة “وان”، التي اندفعت للركض نحو مكتب المخرج دون أي مبرر درامي أو استدعاء منطقي يبرر وجودها في ذلك المكان والزمان، مما كشف عن هشاشة في بناء الأحداث جعلت من النهاية حلاً سهلاً ومصطنعاً أبعد ما يكون عن الواقعية.

ختامًا..

فأن العمل نجح في خلق بيئة بصرية جذابة تتماشى مع معايير الإنتاج التلفزيوني التايلاندي الحديث، مع وجود مساحة واضحة للتحسين في تقنيات الربط الدرامي وتطوير الحبكات الفرعية التي كانت ستمنح العمل ثقلاً أكبر لو أخذت حقها من التخطيط البنائي.