موسيقى

من جماليات الثورة إلى “نشاز” بيروت: نقد مركب لتجربة مريم صالح

بينما كنت أتصفح مقاطع الملتيميديا القصيرة عبر فيسبوك، محاولاً الخروج بـ “محصول” مبكر من المشاهدات، استوقفني مقطع مصور من حفل أحيته مريم صالح في مسرح “مترو المدينة” ببيروت، وهي تتصدى لغناء رائعة أحمد عدوية “يا ليل يا باشا يا ليل”.

ما شاهدته لم يكن مجرد أداء سيئ، بل كان تجسيدًا حيًا لأداء شخص لم ينطق بالضاد يوماً؛ إذ بدت مريم كطفل يتعلم الكلام والنحيب في آن واحد، ليمزج بينهما في خليط مرعب يدفع كل من يستمع إليه إلى إعلان كفره التام بنظريات التربية الحديثة.

تلك الحالة من الصراخ والتوبيخ والزجر والأصوات الناشزة جعلت الأجواء أقرب إلى زنزانة احتجاز بمديرية أمن العجوزة، ترافقها نوتات موسيقية رديئة يستنكف عن عزفها أقل هواة “الأورج” في أكثر الأفراح الشعبية تواضعًا بأعماق الدلتا.

لقد حققت مريم -عيني باردة عليها- معجزة حقيقية، ونجحت في إفساد إرث أحمد عدوية.

لا يمكن لأحد أن يفسد عدوية.. هذا أمر مستحيل بالنسبة لي على الأقل.

لقد استمعت طوال حياتي إلى هواة ومحترفين يعيدون تقديم أغاني عدوية؛ غيروا ألحانها، وتلاعبوا بإيقاعاتها، وجعلوها أكثر صخبًا، بل وأفقدوها هويتها أحيانًا، ومع ذلك كان نتاجهم أفضل من هذا بكثير.

إن بائع الخردة “الروبابيكيا” وهو يجوب الأزقة مناديًا: “حديد قديم، بلاستيك قديم، ألمونيا قديمة للبيع” يمتلك حساً إيقاعياً وطرباً يفوق هذا الهراء بمراحل.

بل إنني رأيت عمال محارة في مواقع البناء يشدو أحدهم بعدوية فيطربك، لأن كلمات الرجل بليغة في بسطاتها، وألحانه منسابة ومستساغة بالفطرة.

المفارقة المؤلمة أن مريم صالح لم تبدأ مسيرتها بهذا الشكل؛ فقد كانت بداياتها واعدة، ومبشرة، وأكثر انضباطاً وتذوقاً للفن.

وربما يتذكر الجمهور إطلالتها في فيلم “عين شمس” مع المخرج إبراهيم البطوط وهي تؤدي موالاً عراقياً شجياً، أو حضورها اللطيف في مسلسل “دوران شبرا” مع خالد الحجر.

وهي في النهاية سليلة عائلة مسرحية عريقة، فوالدها هو المخرج والمؤصل الكبير صالح سعد، أحد أبرز شهداء حريق قصر ثقافة بني سويف الأليم، والذي أورثها بلا شك شغف الخشبة.

وحتى لا نتحامل على الجينات الفنية للعائلة، يمكن لأي منصف أن يستمع إلى شقيقتها “نغم صالح”، خريجة المعهد العالي للفنون المسرحية، والتي شقت لنفسها طريقاً غنائياً مغايراً يتسم بالموهبة الحقيقية والنضج الفني.

لكن أمام هذا التراجع، يبدو أنه قد حان الوقت لمواجهة تجربة مريم صالح الحالية بنقد ذاتي، وموضوعي، بل ونقد مركب.

لقد تاب الله على رامي عصام وعلينا وانتهت ظاهرة معينة، ويبدو أن مريم هي الحجر الأخير الذي يجب أن نتخلص منه لكي نتحرر تماماً من أوهام “جماليات الثورة” التي باتت تصيب النفوس بالغثيان.