نميمة

من الصدام مع النظام إلى “الضيف الآمن”.. كيف أكل الخوف برنامج منى الشاذلي؟

تنهال السخرية بين الحين والآخر على مظهر المذيعة منى الشاذلي، وتحديداً نمط أزيائها المتكرر من “البدلات والبليزرات” المغلقة المتشابهة، وكأن المرأة استيقظت يوماً وقررت أن تتحول إلى موظفة بنك على الشاشة.

لكن هذه السخرية السطحية تغفل تاريخاً طويلاً من الضغوط التي دفعت شاشة التلفزيون ومقدمتها إلى هذه المساحة الآمنة.

في عام 2012، وأثناء إدارتها لأول مناظرة رئاسية متلفزة في مصر، ترك بعض الناس المرشحين والسياسة ومستقبل البلاد، وانشغلوا بالسخرية من جسدها وفستانها؟ كانت تطرح أسئلة عن الدستور والاقتصاد والحريات، بينما كان الجمهور يناقش مقاس خصرها!

ولم تكن تلك المرة الأولى التي تدفع فيها منى ثمن اقترابها من منطقة غير آمنة.

ففي عام 2007، استضافت الشاذلي المدون وائل عباس، الذي كان ينشر مقاطع فيديو لانتهاكات الشرطة، في وقت كان الإعلام الكبير يتعامل فيه مع هذه القضايا وكأنها أمور لا يصح أن تُرى.

أي إن منى، التي تُلام اليوم على اختيار الضيوف الآمنين، كانت تدخل إلى بيوت الناس شخصاً يكشف تجاوزات الداخلية، ليس بعد سقوط النظام، بل وهو ما يزال قائماً.

تكررت المحطات التي شهدت دفع ضريبة الموقف الصحفي؛ ففي عام 2010، اشتكى الحزب الوطني من برنامج العاشرة مساءً بعد حلقة ناقشت اختيارات مرشحيه بأسلوب لم يعجبهم.

وعقب ذلك انتشرت أخبار عن وقف البرنامج واستبعاد منى والبحث عن بديلة، بينما خرجت القناة لتنفي الأمر وتعلنه إجازة عيد وتغييراً في الديكور.

لم يكن هناك اعتراف رسمي بأن ذلك كان عقاباً سياسياً، ولكن في ذلك الزمن، لم يكن الضغط بحاجة إلى أن يأتي في خطاب رسمي عنوانه: نحن نخيفكم.

أما في أوج الثورة المصرية، استضافت الشاذلي وائل غنيم فور خروجه من الاحتجاز.

لم تنتظر لتعرف من المنتصر؛ فتحت له الشاشة ومبارك ما يزال في الحكم، وجعلته يتحدث عن اعتقاله والثورة والضحايا.

وعندما انهار أمام صور الشداء، نقلت تلك الحلقة للمرة الأولى حقيقة الميدان إلى بيوت كثيرين.

وحتى أثناء حكم الإخوان لم تسكت.

أعلنت أن طاقة الناس قد نفدت من ممارساتهم، وأنهم أحدثوا شقاقاً في المجتمع، وانتقدت تعاملهم مع الإعلام باعتباره عدواً، ومحاولاتهم تشويه أي إعلامي يختلف معهم.

وفي الوقت نفسه، لاحقتها شائعات غريبة مست أسرتها، لدرجة ترويج شائعة زواجها سرا من خيرت الشاطر.

تخيلوا هذا العبث! مذيعة تنتقد الإخوان علناً، والشائعة تقرر تزويجها من نائب مرشدهم سراً!

في كل مرة دخلت فيها منى منطقة اختلاف، لم يتوقف الخلاف عند حدود رأيها؛ فمرة يصبح عملها مهدداً، ومرة يتحول جسدها وملابسها إلى موضوع للنقاش، ومرة يُقحم زوجها وأسرتها في حكايات لا أساس لها من الصحة.

ومع تكرار هذه التجارب، تحول الضغط المتواصل من تهديد للملفات والمظهر والسيرة الشخصية إلى نمط حماية ذاتية.

وبالتالي أصبحت “النسخة الآمنة” خياراً يتجلى في السؤال الأملس، والضيف المضمون، والمظهر المبتعد عن إثارة الجدل.

ربما لا تلاحظ منى نفسها أنها أصبحت تفعل ذلك.

فالخوف عندما يستمر لسنوات، لا يعود يُسمى خوفاً.. بل يصبح لياقة وذوقاً؛ بليزر مغلق، سؤال لا يؤذي، وضيف مضمون.

خاصة عندما يكون خلفك ثلاث بنات كبرن، وأصبحن يقرأن ويسمعن ويدفعن معك ثمن كل موجة شتم جديدة.

ساعتها أنت لا تختارين الأمان.. بل الأمان هو من يختارك.

ونعم، برنامج “معكم” حالياً يتسم بأمان مفرط، ومكرر، وأحياناً يكون أقرب إلى مكتب علاقات عامة أنيق منه إلى برنامج حواري، وانتقاد ذلك حقكم الكامل.

لكن منى لم تكن هكذا طوال عمرها. ربما بعد سنوات من التعب، ارتدى الخوف بليزارً ووقف أمام الكاميرا بدلاً منها.

الأمان حماها بالفعل… ولكنه التهم البرنامج.

فانتقدوا البرنامج كما تحبون، ولكن لا تسخروا من الدرع، بعد أن علمها الناس أن الخروج بدونه له ثمن باهظ. لأن نفس الذين دفعوها إلى الاختباء، يقفون الآن ويسألونها: لماذا تختبئين؟