سينما عالمية

من بناء الأماكن إلى بيع بقاياها: تفكيك الرمزية الوجودية لفيلم Backrooms

في جلسة هادئة تجمع بين “كلارك” و”ماري”، وقبل أن تتفتح أبواب المتاهة المظلمة أو تظهر أولى الغرف الموحشة، يبدأ فيلم “Backrooms” بنسج خيوطه الأولى داخل نسيج عقل إنسان يخوض معركته الأخيرة مع التلاشي. لا تبدأ القصة حين يسقط البطل في الفراغ، بل تبدأ في اللحظة التي يفقد فيها القدرة على التعرف على ذاته؛ رجل كان يبني المساحات وينظم حياة الآخرين بصفته مهندساً معمارياً، لينتهي به المطاف محاصراً بين قطع الأثاث المعروضة للبيع داخل معرض تجاري، وكأنه هبط اضطرارياً من صناعة الأحلام إلى الاتجار ببقاياها. ومن هذا الموقع بالذات، لا يعود وجود مدخل المتاهة داخل معرض الأثاث خياراً بصرياً عابراً، بل إشارة أولى جلية إلى أن الطريق إلى التيه ينبع من داخل الإنسان قبل أن يتجسد في جغرافيا المكان.

كيف يشكل المكان زواره؟

تتحرك الجغرافيا النفسية داخل الفيلم عبر مستويين متداخلين؛ المستوى الأول يجعل من المكان مستودعاً ذاكراً للكون، حيث تتجمع بقايا البيوت المهدمة، والعلاقات المنتسبة إلى الماضي، والمدن التي غيّر الزمان معالمها، لتظل جميعها عالقة كأثر مادي في نسيج الواقع. أما المستوى الثاني، فيعمل بوصفه مرآة سيكولوجية تقرأ ما يستقر في أعماق العابرين وتُعيد تشكيل نفسها بناءً عليه. ولهذا السبب تحديداً، لم تكن المتاهة مجرد هيكل ثابت؛ فعندما خطى “كلارك” قدمه الأولى داخلها، امتلأت المساحات بأثاث مبعثر بعشوائية يجسد كوابيس الذكريات والأحلام التي عجز عن تحقيقها، بينما تحول المكان فور دخول “ماري” إلى فراغ واسع وصامت، مما يرسخ مقولة العمل بأن البناء المكاني ليس إلا انعكاساً مباشراً لما يستقر في اللاوعي.

مواجهة “الظل” عند يونغ: بين سقوط “كلارك” ونجاة “ماري”

تقترب هذه الرؤية من أطروحات عالم النفس “كارل يونغ” حول فكرة “الظل” واللاوعي الجمعي، حيث يحمل كل إنسان جانباً مظلماً يسعى لدفنه، وكلما زاد هروبه منه، ازدادت سطوته عليه. وفي هذا السياق، تتحول المتاهة إلى المساحة التي تحرم العابر من خيار الفرار، وتجبره على مواجهة ما دفنه بيده. يظهر هذا الجلياً في مسار “كلارك” الذي يواصل التفتيش عن المعنى عبر استدعاء الماضي، وكل خطوة يقدم عليها تدفعه بعيداً عن حقيقة واقعه، حتى يصل إلى اللحظة التي يعلن فيها رغبته الصريحة في البقاء داخل الفراغ، وهي اللحظة التي تمثل موته النفسي والوجودي الحقيقي، قبل أي مواجهة مع الوحش المعشش في الظلام؛ فالاستسلام للفراغ هو الذروة الحقيقية للنهاية.

وعلى العكس من ذلك، تقف “ماري” على الطرف الآخر من التجربة؛ فقد نشأت داخل بيئة أسريّة مضطربة حولت مفهوم الأمان إلى مصدر دائم للخوف، لكنها استطاعت كسر هذه الدائرة والعبور نحو التعافي لتمارس العلاج النفسي. لم تدخل “ماري” المكان بحثاً عن ذاتها، بل دخلت وهي تعي هويتها تماماً وتسعى لإنقاذ غيرها، وهو ما جعل نجاتها نتيجة طبيعية لاكتفائها الداخلي وليس مجرد تفوق في الشجاعة أو القوة البدنية. ومن هنا يتحول الكائن أو “الوحش” من مجرد أداة للقتل إلى مجرد مجسّم نهائي للإنسان الذي سمح لظله أن يبتلعه بالكامل، ليؤكد الفيلم أن الاكتئاب والصدمات لا تقتحم الجسد بغتة، بل تلتهم كينونة المرء تدريجياً وهو يقف على قدميه.

عندما تستمر الآلات ويختفي الإنسان

تتكامل هذه المأساة عبر أبعاد بصرية وصوتية مدروسة؛ حيث تتحول الممرات الممتدة إلى تجسيد للزمن الدائري الذي يدور فيه الإنسان حول أسئلته الخالدة عن القيمة والهوية والخوف، بينما ينقلب اللون الأصفر من دلالته الدافئة المرتبطة بالطمأنينة إلى لون خانق يحاكي هيئة الحياة الخاوية من الروح. كما يلعب الشريط الصوتي دوراً محورياً عبر أزيز التكييف وضوضاء الكهرباء الصامتة، ليتساءل العمل عن قيمة الوجود البشري عندما تستمر الآلات والحضارة في الدوران حتى بعد أن يختفي الإنسان تماماً. وفي المحصلة، يخرج المتابع من العمل ليس خائفاً من القاعات المهجورة، بل من الفكرة الأشد قسوة: أن يمتلك كل فرد منا متاهته الخاصة، ويقضي عمره محاولاً ألا يفتح بابها.