اخر الأخبارمنوعات

أزمة نقابة الممثلين وأحمد ماهر.. وتساؤلات حول جدوى “الفرمانات التأديبية”

تواجه نقابة المهن التمثيلية المصرية انتقادات حادة داخل الأوساط الفنية والإعلامية، بسبب ما يصفه مراقبون بـ “التحول نحو النهج الخشن” في التعامل مع تصريحات الفنانين، بعدما قررت النقابة، إحالة الفنان الكبير أحمد ماهر إلى التحقيق والتأديب على خلفية سرد كواليس مسلسل تاريخي مر عليه عقود.

وتأتي هذه الأزمة لتثير تساؤلات جوهرية حول دور النقابة، التي يفترض أن تمثل مظلة لحماية حرية التعبير واستيعاب أعضائها، وتحولها المفاجئ إلى جهة رقابية تصدر بيانات حاسمة تضيق الخناق على أحاديث الكواليس والذكريات الفنية.

 

مستندات رسمية لكواليس فنية

الشرارة انطلقت عندما صرح الفنان أحمد ماهر بأن دور بطولة مسلسل “رأفت الهجان” حُسم لصالح الفنان الراحل محمود عبد العزيز بتوجيه مباشر من الرئيس الأسبق حسني مبارك، بعدما كان الدور قريباً من الفنان عادل إمام.
المفاجأة لم تكن في القصة التي تعد جزءاً من أدبيات الوسط الفني، بل في بيان النقابة الذي هدد ماهر بالتأديب، إذ أصدرت النقابة بياناً رسمياً شديد اللهجة برئاسة الدكتور أشرف زكي، أعلنت فيه رفضها القاطع لما وصفته بـ “الادعاءات المرسلة”، مشددة على أن إسناد البطولات الكبرى في تاريخ الدراما المصرية خضع دائماً لمعايير الموهبة والعبقرية الإبداعية وليس الوساطات السياسية.
وطالبت النقابة في بيانها أحمد ماهر بتقديم “أدلة وبينات قانونية قاطعة” تثبت صحة روايته التاريخية، مؤكدة أنها في حال عجز عن تقديم الوثائق الرسمية ستتخذ بحقه كافة الإجراءات القانونية والتأديبية الحازمة صوناً لتاريخ رموز الفن المصري وردعاً لأي تشكيك في تراث القوى الناعمة.

وهو طلب قوبل بدهشة واسعة في الأوساط الإعلامية، إذ من غير المنطقي البحث عن وثائق رسمية أو قرارات جمهورية مختومة لإثبات كواليس اختيار ممثل لدور درامي.

القصة “المحروقة” والشواهد الغائبة

المتابع للأرشيف الفني يدرك أن النقابة وضعت نفسها في مأزق بسبب قصة معروفة وموثقة مسبقاً عبر عدة شواهد:

* شهادة صاحب الشأن: الفنان الراحل محمود عبد العزيز ظهر في لقاء تليفزيوني سابق مع الإعلامي عماد أديب، وتحدث بوضوح عن كواليس الخلاف الشهير مع عادل إمام حول المسلسل، وكيف عاد الدور إليه بعد أن فوض أمره لله.

* شهادة أحمد شاكر عبد اللطيف: يعد الفنان أحمد شاكر المصدر الأساسي لتفاصيل قصة التدخل الرئاسي، بحكم علاقة الجوار التي جمعته بالساحر في ميدان لبنان، حيث روى سابقاً أن محمود عبد العزيز التقى بمبارك مصادفة أثناء أداء العمرة في السعودية، واشتكى له من ضياع الدور، فوعده مبارك بحل الأمر، وهو ما حدث فور عودته.

* عضو المجلس شاهد عيان: المفارقة الكبرى أن رواية أحمد شاكر قيلت علناً في لقاء تليفزيوني كان يجلس فيه بجواره الفنان أحمد سلامة، الذي يشغل حالياً منصب عضو مجلس إدارة النقابة، وكان يستمع للقصة مبتسماً دون أي اعتراض.

 

استعراض عضلات إداري

يرى قطاع واسع من النقاد أن موقف النقابة يمثل “استعراضاً للعضلات الإدارية” في غير موضعه، فالرواية سواء كانت حقيقة تاريخية أو إحدى أساطير الكواليس التي يشتهر بها الوسط الفني، فإنها لا تمس شرف أي قامة فنية، ولا تسيء لرموز الدولة، ولا تستدعي بأي حال من الأحوال نصب المشانق ولجان التأديب لفنان بقيمة وتاريخ أحمد ماهر.

ومع تكشف الحقائق وظهور شهود العيان من قلب النقابة نفسها، يظل السؤال المطروح على طاولة مجلس الإدارة: هل يمتلك المجلس الشجاعة الكافية للتراجع وإغلاق هذا الملف، وتقديم اعتذار للفنان أحمد ماهر عن هذا الإجراء العلني؟

تاريخ من الاصطدام

في سياق متصل، لم تكن أزمة “رأفت الهجان” الحادثة الأولى التي تُشعل الخلاف بين الفنان أحمد ماهر ونقابة المهن التمثيلية؛ إذ يمتلك ماهر سجلاً من التصريحات الإعلامية الجريئة التي طالما وضعته في مواجهة مباشرة مع النقابة وأثارت أزمات مع زملائه بالوسط الفني.
وكان من أبرز تلك الوقائع صدور قرار من النقابة بإحالته للتحقيق العاجل على خلفية تداول مقطع فيديو وجه فيه انتقادات حادة وألفاظاً مسيئة للفنان رامز جلال ووالده المخرج الراحل جلال توفيق، بسبب برامج المقالب، وهو ما دفع النقابة حينها لإصدار بيان اعتذار رسمي لأسرة الراحل وللفنانين ياسر ورامز جلال، للحد من حالة الاحتقان داخل الوسط.
كما أثار ماهر أزمات سابقة بتصريحاته الهجومية على أعمال وأشخاص؛ كإساءته الشديدة لمسرحية “العيال كبرت” ووصفها بـ “الكارثة والمخدرات التي تهدم قيم المجتمع”، مما أدى لمواجهة كلامية مع أبطال العمل كالفنانة نادية شكري، فضلاً عن انتقاداته اللاذعة لبعض الفنانين والمنتجين حول آليات اختيار البطولات النسائية، وهي التصريحات التي طالما وضعت النقابة في موقف المحرج بين حماية حرية رأي أبنائها وضبط قيم السلوك المهني.