اخر الأخبارسياسة

الشرح الكامل والمفصل للكارثة التي حدثت في إسبانيا امس بسبب المهاجرين المغاربة

شهدت مدينة سبتة، الخاضعة للإدارة الإسبانية، تدفقا بشريا غير مسبوق، حيث سجلت عبور أعداد هائلة من المهاجرين المغاربة خلال فترة زمنية قصيرة، مما أسفر عن أزمة إنسانية وسياسية حادة ألقت بظلالها على أروقة الاتحاد الأوروبي بأكمله.

أرقام صادمة

تشير الإحصائيات إلى عبور نحو 49 ألف إنسان عبر البحر خلال 24 ساعة فقط، انطلاقا من السواحل المغربية نحو مدينة سبتة. وقد وثقت المشاهد الميدانية حالات قاسية شملت أطفالا ونساء تعلقوا بإطارات مطاطية في عرض البحر، وشبابا خاضوا غمار السباحة لساعات حاملين أمتعة بسيطة ودراجات هوائية، بالإضافة إلى غرق 18 ضحية، بينهم نساء وأطفال، لم يتمكنوا من النجاة في هذه الرحلة المحفوفة بالمخاطر.

الشرارة الأولى للأزمة

تعود جذور هذا التدفق المفاجئ إلى حكم صادر عن المحكمة العليا الإسبانية يمنع الإعادة القسرية للمهاجرين الذين يصلون إلى الأراضي الإسبانية.

وقد استغلت شبكات التهريب هذا القرار كحافز لجذب آلاف الأشخاص، مبينة لهم أن الوصول إلى شواطئ سبتة يضمن لهم الحماية القانونية من الترحيل الفوري، ويمثل تذكرة دخول رسمية إلى الاتحاد الأوروبي.

علما بأن الرحلة البحرية بين السواحل المغربية وسبتة تستغرق حوالي 4 ساعات من السباحة المتواصلة.

التداعيات الأوروبية وأزمة الشنغن

أثار هذا التدفق مخاوف واسعة داخل الاتحاد الأوروبي، وتحديدا بشأن منطقة الشنغن التي تتيح حرية التنقل بين 27 دولة.

أبدت إيطاليا اعتراضا شديدا وطالبت بتعليق عضوية إسبانيا في اتفاقية الشنغن لمنع انتقال المهاجرين إلى أراضيها، مما أدى إلى اندلاع أزمة دبلوماسية كبرى.

وفي الداخل الإسباني، توجه رئيس الوزراء الإسباني إلى سبتة وعقد اجتماعا طارئا مع وزير الداخلية، كما تم استدعاء الجيش الإسباني للانتشار في شوارع المدينة في خطوة تاريخية لاحتواء الموقف، خاصة وأن التعداد السكاني الأصلي لسبتة لا يتجاوز 85 ألف نسمة.

وفي السياق ذاته، استغلت الأحزاب اليمينية في دول مثل بريطانيا وفرنسا وألمانيا هذه الحادثة لتصعيد خطابها وحشدها المناهض للمهاجرين.

صفقات الحدود الخفية

يسلط هذا الحدث الضوء على السياسات المعقدة المتبعة بين الدول الأوروبية ودول جنوب البحر المتوسط.

وتتوزع طرق الهجرة غير الشرعية تقليديا بين ثلاثة ممرات رئيسية وهي ممر شرق المتوسط من تركيا، والممر المركزي من مصر وليبيا نحو إيطاليا، وممر جنوب المتوسط من المغرب نحو سبتة ومليلية.

وبعد إغلاق الممر التركي بموجب اتفاق 2016، تركزت الضغوط على ممرات الشمال الأفريقي.

وتشير التحليلات إلى وجود اتفاقيات مبطنة تُقدم بموجبها أوروبا دعما ماليا وقروضا مقابل قيام السلطات المحلية العربية بدور حارس الحدود لمنع تدفق المهاجرين.

وتُترجم هذه الاتفاقيات، التي تُسمى رسميا برامج شراكة لمكافحة الهجرة غير الشرعية، إلى إجراءات أمنية مشددة. وقد كشفت تقارير صحفية ووثائقيات عن ممارسات قاسية يتعرض لها المهاجرون الأفارقة، حيث يتم تركهم في مناطق صحراوية حدودية قاحلة دون مقومات للحياة، كجزء من جهود إيقاف زحفهم نحو القارة العجوز.

دلالات الهروب الكبير

تتجاوز هذه الحادثة كونها أزمة حدودية إسبانية لتكشف عن عمق المعاناة والمأساة في دول المنشأ.

فتدفق 50 ألف شخص بمجرد توفر فرصة للهجرة ليوم واحد يعكس حالة من اليأس العميق ورغبة عارمة في الهروب من ظروف اقتصادية واجتماعية قاسية.

وتعتبر هذه المشاهد بمثابة جرس إنذار يشير إلى أن الآلاف يفضلون المخاطرة بحياتهم في قاع البحر على البقاء في أوطان يشعرون فيها بالتهميش، مما يحول المشهد برمته إلى إدانة صريحة للواقع السياسي والاقتصادي الذي يدفع هؤلاء للبحث عن طوق نجاة بأي ثمن.