قرطاج في حضرة الماجدة .. صوت الثقافة الرصينة يطفئ حريق الانتقادات ويتسيد الركح
لمثلها تُفتح أبواب قرطاج وتُنار كل أرجائه، ولمثلها تُشدّ الرحال ويتزيّن الركح، لتبقى ماجدة الرومي سيدة كل المسارح، إذ جاء حضورها لليلة واحدة ليمحو عثرات تنظيمية، ويغفر لمُنظمي الدورة الـ60 للمهرجان كل ما اقترفوه من أخطاء واستضافات أثارت الكثير من الجدل.
كواليس الحشد والترتيبات الأمنية الاستثنائية
شهدت الساعات التي سبقت صعود الماجدة على المسرح الأثري بقرطاج حالة استنفار أمني وتنظيمي غير مسبوقة على مداخل الموقع الأثري، لتفادي الفوضى والتدافع مع تدفق آلاف المتابعين ممن تقاطروا على المدرجات منذ ساعات العصر الأولى.
بيعت التذاكر بالكامل وأُغلقت الشبابيك قبل السهرة بأيام، مما اضطر الإدارة لإصدار تعزيزات أمنية مشددة لمواجهة الأعداد التي توافدت دون تذاكر، ورغبت في الوصول إلى ركح المسرح التاريخي لحضور سهرة الختام التي أُحييت بعد غياب الماجدة عن المهرجان لسنوات طويلة.
البروفات المغلقة والرسائل العاطفية خلف الكواليس
كشفت التغطيات الصحفية التونسية أن الفنانة اللبنانية فرضت أجواء من التركيز والسرية الصارمة خلال البروفات المغلقة التي أطلقتها برفقة فرقتها الموسيقية قبل انطلاق العرض.
وشددت ماجدة الرومي على مراجعة أدق التفاصيل التقنية وتوازنات الهندسة الصوتية والتموجات الضوئية بنفسها، لتضمن خروج السهرة بشكل يتناسب مع قيمة المسرح العريق.
عبّرت الرومي في كواليس تحضيراتها عن امتنانها العميق لتونس، مشيرة إلى أن الوقوف على هذا الركح ليس مجرد حفلة عابرة بل هو عرس للحب والسلام ونوع من رد الجميل لشعب احتضن مسيرتها منذ صيف عام 1980.
تغطية سهرة الختام والتفاعل الوجداني
صعدت الماجدة إلى الركح وسط موجة من الهتافات والتصفيق الحار الذي زلزل المدرجات، واستهلت الحفل بكلمات مفعمة بالمشاعر دعت فيها للسلام والتآخي، ثم تنقلت باقتدار بين قصائدها الكلاسيكية الخالدة مثل “كلمات” و”اسمع قلبي” و”خذني حبيبي”.
مفاجأة السهرة التي أشعلت الأجواء تمثلت في تقديمها لتوليفة من أمهات الأغاني التونسية الخالدة اعترافاً منها بالرصيد الموسيقي المحلي، حيث أدت روائع الراحل الهادي الجويني والفنانة صليحة مثل “لاموني اللي غاروا مني” و”يا مي العوينة الزرقة” و”خالي بدلني” و”يا خليلة”، وهو ما أطلق حالة من السحر والتطريب الجماعي جعلت الجمهور يشدو معها طوال ساعات الحفل المفصلية.
الانتقادات الحادة التي واجهت الدورة الستين
جاءت سهرة الماجدة بمثابة طوق النجاة والستار الشرفي لدورة واجهت انتقادات صحفية وفنية لاذعة طوال فترة انعقادها؛ إذ تعرضت إدارة المهرجان لهجوم واسع من النقاد والجماهير في وسائل الإعلام التونسية بسبب اختيارات البرمجة والتسخير المالي. تركزت الانتقادات حول الأجور المرتفعة بالعملة الصعبة الممنوحة لبعض الوافدين والأرقام الخيالية المتداولة في ظل ظروف اقتصادية ضاغطة، إضافة إلى استضافة أسماء استعراضية رأى فيها النقاد التونسيون تراجعاً عن الهوية الثقافية والفنية التاريخية لمهرجان قرطاج الدولي.
وأثار خروج بعض العروض عن النص والمستويات الفنية المتواضعة لبعض البرامج موجة غضب عارمة، لتأتي ليلة ماجدة الرومي وتنقذ الموقف، محددة المعيار الحقيقي للفن الذي يستحق اعتلاء ركح قرطاج.
حضور رسمي ودبلوماسي
حضر السهرة عدد كبير من المسؤولين والشخصيات الرسمية والدبلوماسية رفيعة المستوى، تقدمتهم وزيرة الشؤون الثقافية ووزيرة المالية ورئيس البرلمان التونسي.
توجت الفنانة اللحظات الأخيرة من العرض بلفتة رمزية عبر رفع العلم التونسي وتقبيله على الخشبة، مؤكدة على متانة الروابط الثقافية والتاريخية بين لبنان وتونس، لينهي هذا الحفل الفني الأزمة التنظيمية للنسخة الستين، وتظل أصداؤه معلقة في ذاكرة المهرجان كواحدة من أنجح السهرات الجماهيرية.

