مسرح

اربعة نجوم يُعيدون صياغة التجريب .. زَخَم فني وثقافي في الدورة الـ33 لمهرجان القاهرة للمسرح التجريبي

 

يقف مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي كأحد أعرق المهرجانات الفنية وأكثرها تأثيرًا في المشهد المسرحي العربي والعالمي منذ تأسيسه.

ولم يكن المهرجان عبر تاريخه الممتد مجرد حدث سنوياً للفرجة المسرحية، بل تشكّل كمعمل مفتوح للابتكار، وكسر الأشكال التقليدية، وإعادة تعريف المفهوم المسرحي في المنطقة. ومن خلال استضافته لكبار المبدعين وصناع العروض الطليعية من مختلف قارات العالم، استطاع المهرجان أن يمنح المسرح العربي رئة جديدة للتنفس، ومساحة حرة للمغامرة والبحث الفكري والجسدي، مما جه المحرك الأساسي لتطوير لغة المسرح وتحديث أدواته لدى أجيال متعاقبة من الفنانين العرب.

وفي ظل الاحتفاء الكبير بالدورة الـ33 للمهرجان وما تشهده من زخم فني وثقافي لافت، يبرز حضور اربعة فنانين لهم وزن النجوم، ليصنعوا أثرًا استثنائيًا وبصمة خاصة في فعاليات هذا العام.

 

عرض مثير للجدل

في مقدمتهم المخرجة ومصممة الرقصات كريمة بدير التي افتتحت المهرجان بعرضهاحياة“. والذي أثار حالة من الجدل والنقاش الفني.

قالت المخرجة ومصممة الرقصات كريمة بدير: المسؤولية هذه المرة أكبر بكثير،لأنني لا أقدم مجرد عرض مسرحي ضمن الفعاليات، بل أشارك في صياغة لحظة اللقاء الأولى بين المهرجان وجمهوره.

حرصت تمامًا على أن يأتي الافتتاح متناسبًا مع التاريخ العريق للمهرجان التجريبي، وفي الوقت نفسه يعبر عن تجربتي الفنية الخاصة. وقد تعاملت مع افتتاح الدورة الجديدة باعتباره عرضًا فنيًا متكاملاً لا مجرد مراسم احتفالية شكليّة، فالاحتفال هو العرض نفسه، والحالة المسرحية حاضرة منذ اللحظة الأولى عبر العلاقة بين الجسد والحركة والكلمة والفراغ والضوء والموسيقى.

جمهور اليوم اصبح أكثر انفتاحًا ووعيًا مما نتخيل، ويريد أن يشعر بأن الفنان يحترم ذكاءه؛ لذا فإن تقديم حكاية تقليدية ليس شرطًا، بل المهم أن يلمس الجمهور عالمًا له منطقه وإحساسه الصادق ليصبح جزءًا فاعلاً في التجربة بخياله، بدلاً من أن يكون مجرد متلقٍ سلبياً.

أوضحت بدير أنها نجحت في صياغة مفهوم مغاير للرقص المسرحي، حيث يتعامل منهجها مع الجسد بوصفه حالة إنسانية فياضة بالمعاني، متجاوزةً فكرة تحويله إلى مجرد أداة لاستعراض المهارات الحركية أو الفنية.

وشددت على أن اللحظات التي يسودها الصمت والهدوء داخل العرض قد تختزل شحنات درامية وتعبيرات لا تقل عمقًا وتأثيرًا عن الحركة المتواصلة.

وأكدت بدير أن خشبة المسرح هي فضاء ديناميكي تتشكل فيه العلاقات وتتبدل، مشيرة إلى أن الرقص المسرحي يمثل لغة تعبيرية مستقلة بذاتها ولها أدواتها القادرة على بناء تجربة مسرحية شاملة ومتكاملة الأركان.

وعن التقنيات الحديثة، لفتت إلى أن إقحام أدوات مثل الذكاء الاصطناعي، الهولوجرام، وتكنولوجياالفيديو مابينجقد يخدم الفكرة الفنية ويضيف إليها، إلا أنه لايمكن بأي حال من الأحوال أن يستبدل أصل التجربة المسرحية؛ والمتمثل في حضور الجسد الحي على المسرح بكل ما يحمله من أنفاس حقيقية، وانفعالات عفوية، وتفاعل حي ومباشر مع المشاهدين.

كريمة بدير

 

 

كتاب الموتى

ثاني فنان كان الجدل مثارا حوله هذه الدورة هو المخرج عزت إسماعيل صاحباهم عرض مصري مشارك في هذه الدورة بعنوانكتاب الموتى، والذي قال عنه : العمل يستلهم الجذور المصرية القديمة لا بهدف محاكاتها شكلياً أو تقديم معالجة تاريخية، وإنما لاستدعاء أسئلة حية تمس الوجود الإنساني، الذاكرة، وفكرة الفناء.

واعتبر أنالاسمفي العرض يتجاوز معناه المباشر ليكون رمزا للبقاء والاستمرارية، بينما يعكس الاسم تلك المساحات التي يتخلى عنها الفرد تحت ضغط الأدوار والتصورات التي يبنيها لنفسه أو يمليها عليه مجتمعه.

وأضاف عزت أنه استخدم مرجعيات فرعونية، وفي مقدمتها برديةآنيوما تتضمنه من تصورات عن العدالة الإلهية (ماعت)، ومراحل الحساب، وتجربة العبور والتحول؛ مع التركيز على الدلالات الإنسانية التي تختبئ خلف هذه الرموز.

فالموت في رؤيته ليس محطة أخيرة، بل هو لحظة مكاشفة صريحة يسترجع فيها الإنسان أفعاله وذاكرته، وتتساقط خلالها الأقنعة والهويات المستعارة.

عزت إسماعيل

وشدد إسماعيل على أن استحضار الموروث الحضاري لم يأتِ كديكور أو زخرفة جمالية، بل كمادة حية للحوار مع واقعنا الراهن.

ومن هذا المنطلق، يطرح العرض هواجس الخوف من المحاكمة والشعور بالذنب، ورحلة التفتيش عن الذات وسط تعقيدات العصر الحديث؛ حيث يتشتت الإنسان المعاصر بين اسمه، وموقعه الوظيفي، ومكانته الاجتماعية، وبصمته الرقمية، وذلك كله من خلال رؤية فنية تنطلق من الخصوصية الثقافية المصرية.

وتُشكل مشاركة هذا العرض في الدورة الحالية محطة لافتة في المسيرة الفنية لعزت إسماعيل، والتي تأتي امتدادًا لتجربته الأولى في المهرجان عام 2022 عندما شارك بعرض Lovetronics ضمن الفعاليات الموازية.

 ويوضح إسماعيل أن حضوره هذه المرة حمل طابعًا مختلفًا تمامًا؛ إذ تفصل بين التجربتين سنوات من البحث المستمر والخبرات والتجارب التي أثرت رؤيته كفنان وإنتاج الإنساني.

وأشار إلى أن طبيعة العمل تتناغم عميقًا مع الفلسفة القائم عليها المهرجان،كون العرض ولد في الأساس من رحم التجريب والمغامرة الفنية، وقام على محاولات التفكيك وإعادة البناء.

واختتم بالتأكيد على أن التواجد في هذا المحفل يمثل فرصة ومسؤولية في آن واحد؛ حيث يتيح للعمل التفاعل مع جمهور أكثر تنوعًا، ويفتح باب الحوار الخلاق مع تجارب مسرحية ورؤى فنية وافدة من ثقافات متعددة.

 

يوسف عيدابي

من ضمن مكرمين عديدين في الافتتاح، كانت الأنظار موجهة إلى المسرحي والباحث والمفكر السوداني الدكتور يوسف عايدابي، الذي يعتبر أحد مؤسسي الحركة الفنية في الوطن العربي وأسهم، من خلال اختياراته ورؤيته الفكرية المستنيرة، في التعريف بفنون الأداء وفتح آفاق جديدة أمامها، سواء في السودان او خارجها.

العيدابي يعتبر مسرحي بارز في الحركة الثقافية السودانية والعربية، و تجربته الممتدة جعلت منه مصدر إلهام لأجيال متعاقبة، لما امتلكه من رؤية فكرية وإبداعية تجاوزت حدود الشعر والنقد والمسرح إلى مشروع ثقافي متكامل.

جمع بين كونه شاعرًا ومفكرًا وناقدًا وباحثًا مسرحيًا وسينمائيًا، أسهم في صياغة أدبيات تيارالغابة والصحراءكما شغل عددًا من المناصب الثقافية والأكاديمية، من بينها عمادة المعهد العالي للموسيقى والدراما، وإدارة مركز دراسة الفلكلور والتراث الثقافي، إلى جانب خبرته في إدارة المعارض والمؤتمرات والتخطيط الثقافي.

يوسف العيدابي

في تصريح خاص عن مشاركته هذا العام، قال الدكتور يوسف عيدابي: بداية احب ان اشكر دكتور سامح مهران على هذه اللفتة الكريمة بإتاحة المساحة للاحتفاء بالسودان وثقافته؛ فهذا التكريم والاحتفاء لا يخصني لشخصي فقط، بل هو تقديرٌ لوطني وتاريخه الفني والثقافي الأصيل.

كما أنني مدين بالفضل لمصر، هذا المنبع الخالد للعلم والمعرفة الذي استلهمت منه الكثير في مسيرتي، لأردّ هذا الجميل لوطني العزيز السودان، وللشارقة التي أعتبرها بلدي الثاني بعد سنوات طويلة قضيتها فيها وكانت من أثرى محطات حياتي.

وأضاف عيدابي عن رؤيته للمسرح: تلك التجارب الغنية رسّخت لديّ يقينًا بأن المسرح مسؤولية جليلة تسبق كونه مجرد ممارسة فنية.

واليوم، أشعر بأهمية ألايظل المسرح حبيسًا للتنظير والأطر النظريّة فقط؛ فالمبدعون يمتلكون من الفكر والخيال ما يؤهلهم للوصول إلى آفاق أرحب، وصناعة رؤى تتجاوز المألوف لتمنح هذا الفن قدرته الحقيقية على التجدد والاستمرار.

 

٢٤ عام علاقة مع القاهرة

ما بين ورش كثيرة يقدمها المهرجان كل عام لمريديه ومحبي المسرح، هذا العام تذهب الأنظار إلى ورشةمن النص إلى الخشبةالتي يقدمها المخرج والكاتب المسرحي الكويتي سليمان البسام، في إطار البرنامج التدريبي للمهرجان،

والتي صرح عنها البسام : سعيد للغاية بتجربتي الاولى في التدريب هنا في مصر والتي تحمل طابعا استثنائيا بالنسبة لي ، كونها لا تقتصر على عودة لمهرجان يجمعني به تاريخ ممتد لأكثر من عقدين حصدت خلالهما عدة جوائز، بل تتزامن أيضاً مع تكريمي في هذه الدورة.

وأوضح البسام أن الورشة الممتدة على مدار ثلاثة أيام تمثل مساحة حية لتبادل الخبرات والتعلم المتبادل مع صناع المسرح والمهتمين به من مصر ومختلف دول العالم.

وأشار إلى أن البرنامج التدريبي يستند إلى مزج الرؤية النظرية بالتطبيق المباشر، حيث يعتمد على قيام المتدربين باختيار مشاهد كلاسيكية وإعادة صياغتها وتفكيكها ثم تجسيدها على المسرح، مما يتيح للمشاركين فرصة حقيقية لاختبار أدواتهم في الكتابة والإعداد والإخراج، وتحويل النص الصامت إلى فعل حركي يقرأ على الخشبة.

سليمان البسام


وأشار
البسام إلى أن الورشة لا تقتصر على تقديم معرفة نظرية حول التعامل مع النصوص الكلاسيكية، وإنما تتيح للمشاركين اختبار هذه المعرفة من خلال الممارسة، والعمل بأنفسهم على إعادة صياغة المادة النصية وتحويلها إلى فعل مسرحي، بما يفتح أمامهم مساحة للتجريب في مراحل الإعداد والكتابة والأداء.

وتحدث البسام عن علاقته التاريخية بمهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي، موضحًا أن مشاركته الأولى في المهرجان تعود، إلى عام 2002، أي قبل نحو 24 عامًا، مشيرًا إلى أنه نال خلال مشاركاته السابقة أكثر من جائزة في المهرجان.

وأكد أن المهرجان ظل طوال هذه السنوات حلقة عزيزة عليه، لما يمثله من مساحة للقاء المسرحيين المصريين والعرب والدوليين، وتبادل الخبرات والتجارب بينهم.