قراءة في كواليس أزمة بشرى مع مهرجان الجونة .. مظلومة ام شريكة في الجريمة ؟
ما أن أعلنت الفنانة بشرى رحيلها عن مدينة الجونة تزامنًا مع بدء توافد الضيوف، حتى اشتعلت منصات التواصل الاجتماعي بالتأويلات.
وكالعادة في المشهد الثقافي والفني، سارع الجمهور إلى اختزال القصة في “خناقة فنانات” أو غضب على خلفية اختيار الفنانة ناهد السباعي لعضوية إحدى لجان التحكيم. غير أن تتبع خيوط الأزمة من جذورها يكشف عن صورة أعمق بكثير؛ حكاية مؤسسة أكلت السنوات رصيدها التنفيذي، وتركت في النهاية مجرد ألقاب شرفية بلا صلاحيات.
من أصحاب الفكرة إلى “ضيوف شرف”
تعود البداية إلى عام 2017، حين شاركت بشرى في تأسيس مهرجان الجونة السينمائي إلى جانب عمرو منسي وكمال زادة، عبر شركة The Festival التي تولت تنظيم الدورات الثلاث الأولى.
حينها، كانت التفاصيل الدقيقة والإدارة والضيوف تدار بأيدٍ تحمل المشروع كفكرة نابضة بالحياة، قبل أن تتحول إلى كيان اقتصادي وعالمي ضخم.
لكن نقطة التحول الكبرى وقعت في عام 2020، عندما قرر رجل الأعمال سميح ساويرس نقل إدارة المهرجان من شركة المؤسسين إلى مظلة “أوراسكوم”.
هنا تبدلت قواعد اللعبة وصلاحيات التشغيل بالكامل؛ فتحول عمرو منسي من مدير تنفيذي إلى مستشار، بينما احتفظت بشرى بلقبها، ولكن بعد سحب أدوات القرار التنفيذي من تحت قدميها.
بقيت الألقاب، وانتقلت المفاتيح.
إدارياً: السلطة للمؤسسة.. والمسؤولية للمؤسسين
تجليات هذا الانفصال بين السلطة والمسؤولية لم تتأخر. ففي دورة 2021، ظهرت تناقضات علنية ومواقف محرجة؛ حين اضطرت بشرى بصفتها رئيسة عمليات المهرجان إلى تدارك أزمة تصريحات مدير المهرجان انتشال التميمي بشأن الفنانة يسرا، وتبرير مواقف لم تكن صانعتها من الأساس.
وتكرر المشهد في أزمة الدعوات الشهيرة، حيث وُجّهت سهام النقد واللوم مباشرة إلى بشرى، بينما كانت القرارات الفعلية موزعة بين الإدارة الجديدة والرعاة واللجان.
تحولت بشرى من شخصية قادرة على تلبية طلبات الضيوف وتسهيل حضورهم، إلى واجهة تتلقى الشكاوى وتعاني تبعات قرارات لا تملك حيالها شيئًا.
وفي مارس 2022، أعلنت بشرى انتهاء دورها التنفيذي للتركيز على الإنتاج، لتبقى صفة “مؤسسة مشاركة” مجرد غطاء شكلي لامرأة تحولت من صانعة للمشهد إلى ضيفة شرف تنتظر الإعلانات الرسمية مثلها مثل غيرها.
التجارة قبل الفن: صدمة الحقيقة
عندما صرحت بشرى في عام 2025 بأن الجونة “لم يعد يشبهها وأنه تحول إلى بيزنس”، ربما لم تكن تكتشف جديدًا، فالمال كان حاضرًا منذ اليوم الأول، لكن الفارق يكمن بين مال يخدم الفكرة، وفكرة باتت أسيرة للمال.
لم تستغرق بشرى سنوات لتدرك أن المكان قد تغير، بل استغرقت سنوات لتقبل أنها لم تعد قادرة على تغييره.
وعليه، فإن ربط أزمتها الأخيرة باختيار ناهد السباعي للتحكيم أو الغضب على “كرسي شاغر” هو قراءة سطحية ومريحة للبعض. فالوجع الحقيقي ليس فيمن جلس على الكرسي، بل في أن من كانت ترتب الكراسي وتصنع ملامح المهرجان، أصبحت اليوم تتلقى أخبار التشكيلات عبر البيانات الصحفية.
إن حكاية بشرى مع الجونة تعكس أزمة مزمنة تعاني منها الكفاءات التأسيسية في الكثير من المشروعات الكبرى؛ سنوات من حراسة الصورة وحل الأزمات بصمت، تنتهي باكتشاف قاسٍ مفاده أن الإدارة استبقَت الألقاب وسحبت القرارات، وتركت للمؤسسين وزر الفشل وحده.
وربما كان منشور “الناس بتوصل الجونة وأنا ماشية” هو القرار الوحيد الذي ظل خالصًا لملكيّتها حتى الملاذ الأخير.

