سينما عالمية

The guest : سينما تزن الخطوط الفاصلة بين الجنون والوعي

 

ينطلق فيلم The guest من مراسم تسمية الطفل الوليد لكارل (سيمون بينيبجيرج) وزوجته إميلي (ميتي كلاكشتاين فيبيرج)، تجمع عائلي على شاطئ البحر للاحتفال بمراسم تسمية مولود جديد في فندق هادئ، غير أن هذا السطح الهادئ ما يلبث أن يتصدع تماماً مع الوصول المفاجئ والمدمر للأم المنفصلة عن أسرتها منذ سنوات طويلة، والتي تجسد شخصيتها بعبقرية طاغية النجمة ترين ديرهولم.
تأتي والدة كارل المبتعدة عنه، والتي تظهر محملة برغبة استعادة مكانتها الغائبة داخل نسيج عائلة ابنها.

يعود الفضل الأكبر في جذب انتباه مبرمجي المهرجانات السينمائية وموزعي سينما الفن والمستقلة، عقب العرض العالمي الأول للفيلم بمهرجان كارلوفي فاري، إلى الحضور الطاغي لاسم ترين ديرهولم والجاذبية الشديدة وغير المتوقعة للشخصية التي تجسدها ببراعة لافتة. إلا أن الفيلم في جوهره يظل عمل بطولة جماعية يتأسس نجاحه على التفاعل المركب والمتبادل بين أداءات تمثيلية مدروسة بعناية، بدلاً من الاعتماد المطلق على نجم واحد. وبفضل هذه الديناميكية المتقنة، يتقاطع العمل في جوهريته مع أفلام الدراما العائلية الصادمة للمخرج توماس فينتربيرج، ولا سيما تحفته السينمائية “الاحتفال” .

على الصعيد البنيوي والسردي، ينجح مينجيل في إدارة الإيقاع الداخلي للعمل بذكاء شديد؛ فالسيناريو يرفض بحقن واعية الانزلاق نحو الميلودراما المبتذلة أو الخطابية المباشرة. بدلاً من ذلك، يتناول الفيلم هشاشة الصحة النفسية وتعقيداتها دون تقديم إجابات جاهزة أو مبسطة للمشاهد. الشخصيات هنا ليست ملائكة أو شياطين، بل هم بشر عاديون تماماً، يخطئون ويصيبون، ويمتلكون دوافع مفهومة رغم فوضويتها.
الابن، الذي يلعب دوره باقتدار سيمون بينيبجيرج، يعيش حالة من الاستنفار والترقب الدفاعي المستمر، محاولاً حماية عائلته الصغيرة ووليده الجديد من شبح ماضٍ عائلي يؤرق, بينما تتحرك الأم في المساحات الفاصلة بين الجنون والوعي، محملة برغبة جارفة وشبه مدمرة لإثبات جدارتها كمورثة وأم تحاول ترميم ما أفسدته السنوات.

اما على مستوى الإخراج، فيستعرض المخرج مادس مينجيل، الذي صقل مهاراته الإخراجية عبر تقديم عدة أفلام قصيرة وأعمال تلفزيونية (أبرزها المسلسل القصير “سوبليكس” المكون من أربعة أجزاء والمتخصص في قضايا الجرائم الغامضة)، قدرة عالية على خلق توازن دقيق بين تقاطعات الشخصية الإنسانية وحالتها النفسية من جهة، وتبيان المدى الذي يمتد إليه أثر المرض النفسي للفرد على عائلته بأسرتها من جهة أخرى.

ينتهج كارل وشقيقته ريكي (جوزيفين بارك) مسارين متضادين تماماً في كيفية التعامل مع أمهما المتطلبة والمضطربة نفسياً.
يختار كارل بتر علاقته بها وإخراجها نهائياً من حياته، حيث وجد الانتماء والترحيب الكامل داخل الدائرة المقربة لعائلة زوجته، وحقق نجاحاً مهنياً لافتاً في مجال تأجير السيارات ضمن المؤسسة التجارية المملوكة لوالد زوجته، ليبدو وكأنه استوفى كل ما يصبو إليه من دعم عائلي.
وفي المقابل، تترك هذه الوضعية الشقيقة ريكي، على غرار ما يحدث للعديد من النساء، ليقع على عاتقها وحدها دور الراعي الرئيسي؛ إذ تتولى زيارة أمها عدة مرات في الأسبوع، وتطور حساسية فائقة لالتقاط المؤشرات التي تشير إلى وقوع فيبيكي تحت وطأة حالتها النفسية غير المحددة أو توقفها عن تناول عقاقيرها العلاجية.
تتبدى هذه المهمة باعتبارها عبئاً قاسياً وغير مقدر، خصوصاً وأن فيبيكي لا تجد حرجاً في إظهار خيبة أملها في ريكي، معلنة صراحة أن كارل هو ابنها المفضل والأنعم بالحظوة. بل إن وصول فيبيكي المفاجئ إلى الاحتفال يتحمل جانباً من مسؤوليته تقصير ريكي نفسها، إذ يوجه إليها شقيقها عتاباً محاطاً بالمرارة لعدم قدرتها المستمرة على وضع حدود حازمة مع الأم. غير أن مسألة فرض الحدود تبدو عملية أيسر بكثير بالنسبة لشخص لا يمثل رقم الطوارئ الأخير الذي يصله الاتصال في كل مرة تفقد فيها الأم توازنها وتخرج أمورها عن السيطرة.

ويتضح جلياً أن فيبيكي تشكل ضيفة غير مرغوب فيها في هذا الحدث العائلي لأسباب تتجاوز مجرد التخوف من إفساد المناسبة بتصرفاتها المتقلبة؛ إذ تبرز كعنصر محفز يعيد تفجير ومضاعفة حدة التوترات والخلافات القديمة التي ظلت مكتومة بينها وبين ولديها.
وفي هذا السياق، تتحرك كاميرا ديفيد باور المحمولة بمرونة ورشاقة عالية حول طاولة الطعام حين تقتحم فيبيكي المكان فجأة بابتسامة عريضة؛ لتشتعل النظرات الصامتة والمتبادلة بين كارل وريكي محملة بدلالات تتجاوز حدود الكلمات. وفي تلك الأثناء، يقع أهل الزوجة تحت سحر هذه المرأة المشرقة والحديثة التي لم يسبق لهم التعرف عليها من قبل.

الكاميرا تتحرك بحذر يوازن بين اتساع الأفق الطبيعي لبيئة الشاطئ الدنماركي وبين انغلاق واختناق المساحات الداخلية، مما يترجم بصرياً شعور الشخصيات الدائم بأنهم محاصرون داخل أطر من التوقعات الاجتماعية المفروضة والوراثة العائلية القسرية.

أما على مستوى الأداء التمثيلي، فقد شكلت الثنائية بين ترين ديرهولم وسيمون بينيبجيرج العمود الفقري للثقل الدرامي في الفيلم. ديرهولم تقدم واحدة من أعمق أدوارها وأكثرها تركيزاً، حيث تبتعد عن الاستعطاف الرخيص لتمنح شخصيتها بعداً إنسانياً معقداً يجعل المشاهد يتأرجح باستمرار بين التعاطف التام والخوف المبرر. وبجانبها، يظهر بينيبجيرج بقدرة عالية على التعبير الصامت والارتباك المتقن، مجسداً صراع الإنسان العادي الذي وجد نفسه مجبراً على اتخاذ قرارات قاسية تحكمها المحبة والرعاية الحذرة وسط فوضى لا مفر منها.

ويكمن المحور الأساسي لنجاح الفيلم في قدرة أداء ترين ديرهولم على طمس الحدود الفاصلة بين السلوك المقبول وغير المقبول بشكل مبدع؛ إذ تبدو حكاياتها الجامحة وانتقاداتها الساخرة لأبنائها بمثابة مادة طازجة وممتعة لشخص لا يعرف طبيعة سلوكها ومراحل اضطرابها عن قرب.
أما بالنسبة لولديها، فإن هذه التصرفات لا تعدو كونها إشارات تحذيرية مبكرة تنبئ بعاصفة وشيكة تتشكل في الأفق. ومع ذلك، تتخلل الأحداث لحظات مباغتة تُظهر فيها الأم قدراً من الكرم والدفء الذي يدهش أبناءها، وهي اللحظات ذاتها التي تدفع كارل لمراجعة نفسه والتطلع إلى ما وراء الحصن المنيع الذي بناه لحماية ذاته، وربما المحاولة لبناء جسر للتواصل بدلاً من الاستمرار في العزلة.

 

في النهاية، يثبت فيلم The guest أن السينما الدنماركية ما زالت قادرة على رفد الساحة الدولية بأعمال واعدة وناضجة، تستنطق النفس البشرية وتفكك عُقدها بجرأة وبصيرة نقدية فنية عالية، تاركة في نفس المشاهد طعماً مراً ومبجلاً لتعقيدات الحياة العائلية بكل ما تحمله من ألم وغفران.

 

منقول ومترجم بتصرف من The Master Scene