عن المقعد الأزرق في بيروت: حين تتحول الثقافة إلى استعراض شكلي
شهدت العاصمة اللبنانية بيروت مؤخرا خطوة لافتة تمثلت في استقبال مقعد أزرق عملاق تم استعارته خصيصا من مدينة نيس الفرنسية ليتم نصبه في أحد شوارعها وسط احتفالات رسمية وثقافية صاخبة ومغطاة بعدسات الكاميرات.
هذه الواقعة تفتح الباب واسعا أمام تساؤلات جوهرية حول أولويات العمل العام في البلاد وطبيعة المفاهيم التي تحرك المسؤولين نحو مظاهر الاحتفال الشكلي عوضا عن معالجة الأزمات البيكولوجية أو التنموية العميقة التي يعاني منها المجتمع.
إن شغف بعض الإداريين بالجلوس على المقاعد لم يعد يقتصر على الكراسي السياسية المتنازع عليها في كواليس السلطة، بل امتد ليتجلى في الاحتفاء بقطع أثاث مستوردة تعكس حالة من التبعية الفكرية والابتعاد عن جوهر التنمية الثقافية الحقيقية التي تحتاجه المدن العريقة في مرحلة انهيارها الاقتصادي والمعيشي.

التبادل الثقافي بين الأمم والشعوب هو بلا شك قناة حيوية للتواصل الإنساني ومد جسور التقارب والمعرفة، شريطة أن يقوم على أساس الندية والمشاركة الفاعلة والإبداع المتبادل لا على الاستيراد المستهلك للرموز الجاهزة.
إن استنبات رمز فني أنشئ في بيئة أوروبية بحرية ثم نقله إلى سياق حضري ومجتمعي مختلف تماما دون أدنى مواءمة، يفرغ الرمز من محتواه التاريخي والوجداني ويحوله إلى مجرد مجسم بلا روح.
الرموز الحقيقية لا تولد في فراغ ولا تُنقل في صناديق الشحن، بل تنبت شيئا فشيئا من تراب الذاكرة الجماعية لمدينة عريقة مثل بيروت التي طالما عُرفت بكونها منارة للفكر والابداع الأدبي والفني على مستوى الإقليم والعالم.
وعندما يكتفي المشهد الرسمي بالتقاط الصور التذكارية بجانب هذا المقعد المستعار، فإنه يتجاهل عمدا الطاقات الإبداعية الهائلة والمغمورة التي تكتظ بها الساحة المحلية من فنانين وتشكيليين ومصممين لبنانيين قادرين بكل اقتدار على ابتكار رموز فريدة تنبض بروح المدينة وخصوصيتها الثقافية دون الحاجة إلى معونة رمزية خارجية تثير السخرية والتأمل معا.
الحاجة الملحة اليوم في العاصمة ليست مجرد ديكورات بصرية مؤقتة أو اكسسوارات عابرة تملأ مساحات الفراغ العام وتزول بريقها مع أول شعاع شمس أو أزمة جديدة، بل هي سياسات ثقافية واضحة المعالم ومستدامة ترتقي بالفضاء العام وتخدم الإنسان قبل الحجر.
إن المشهد الثقافي بحاجة ماسة إلى خطط هيكلية استراتيجية تعيد الاعتبار للمؤسسات الفاعلة وتدعم المبدعين المحليين وتوفر لهم البيئة الحاضنة للإنتاج والعطاء، بعيدا عن الاستعراضات الإعلامية التي تخدع الناس وتتركهم يواجهون أسئلتهم المعلقة حول جدوى هذه الأنشطة.
إن المفارقة المضحكة المبكية تكمن في تهافت المسؤولين على تمجيد كرسي أزرق أجنبي في وقت تعيش فيه المرافق الثقافية الوطنية والمكتبات العامة حالة من الإهمال والنسيان، مما يؤكد أن الأزمة الحقيقية تكمن في غياب الرؤية والبصيرة لدى من يقودون دفة القرار الثقافي.
بيروت بتاريخها العريق وجذورها العميقة لا تحتاج إلى استعارة أصوات الآخرين أو رموزهم المصنوعة في الخارج، بل تحتاج إلى إرادة صادقة ومشروع أصيل يعيد لها ألقها وكرامتها ويسمح لها بالحديث بصوتها الخاص الذي لا يخفت أبدا.

