عندما يطرق الماضي بابك بضجيج: قراءة في عالم “Stay Close” وهارلان كوبن
يعد الكاتب “هارلان كوبن” أحد أبرز الأساتذة في تطويع فكرة أن “الماضي لا يموت”؛ بل إنه يمتلك قدرة فائقة على إثبات أن ما ظننتَ أنه دُفن وتلاشى، قد يستيقظ فجأة ليقرع بابك في أكثر اللحظات طمأنينة. وفي مسلسل “Stay Close” (ابقَ قريباً)، نجد نموذجاً جلياً لهذه المدرسة الأدبية والدرامية، حيث تتشابك خيوط الجريمة مع أسرار النفس البشرية في ثماني حلقات من التوجس.
الحبكة: دوائر لا تنتهي
لا تسير الحبكة في “Stay Close” وفق خط مستقيم تقليدي، بل تتحرك في دوائر كبرى تلتف حول الماضي. كل الشخصيات محاصرة داخل هذه الدائرة، حتى أولئك الذين توهموا أنهم غادروها منذ زمن بعيد واتخذوا لأنفسهم هويات وحيوات جديدة. ينجح المسلسل ببراعة في إيصال فكرة مفادها أن “التحول” الذي نعيشه قد لا يكون سوى وهم مؤقت، وأن الحقيقة المستترة خلف الأقنعة الاجتماعية هي التي تحرك الخيوط في النهاية.
فلسفة الذنب والشر
ما يميز أعمال “كوبن” هو أن الجريمة لديه ليست دائماً نابعة من “شر مطلق” أو نزعة إجرامية صريحة. في كثير من الأحيان، تبدأ المأساة بخطأ صغير، أو لحظة ضعف، أو خوف عابر، ينجم عنها سلسلة من الجرائم التي لا تنتهي.
هنا، تتوزع فكرة “الذنب” ولا تنحصر في شخص واحد؛ فقد يرتكب أحدهم الفعل، ويقوم آخر بإخفاء الجثة، بينما يدفع شخص ثالث الثمن. هذا التشابك يجعل من الصعب إطلاق أحكام أخلاقية حادة، ويضع المشاهد في حيرة أمام تعقيدات النفس البشرية.
براعة التفاصيل وتشابك الخطوط
تتشابك الخطوط الدرامية في العمل بهدوء شديد. في البداية، قد تشعر أنك بصدد متابعة قصص منفصلة لا رابط بينها، ولكن سرعان ما تكتشف وجود خيط رفيع يربط الجميع ببعضهم؛ قد يكون اسماً لمكان، أو ذكرى قديمة، أو تفصيلة صغيرة بدت في البداية وكأنها بلا أهمية. وهنا تكمن براعة كوبن في استخدام التفاصيل لبناء هيكل درامي متماسك.
“دائماً ما يكون الجاني غير متوقع، ليس لمجرد الرغبة في المفاجأة، بل لأن الكاتب ينجح في هدم أحكامنا المسبقة التي بنيناها على المظاهر الاجتماعية والاستقرار الظاهري.”
دراما الشك لا المطاردات
مسلسل “Stay Close” ليس مجرد عمل عن المطاردات البوليسية أو الذكاء الخارق، بل هو “دراما الشك”. الشك في المحيطين بك، والشك في نفسك، وفي فكرة أن كونك شخصاً صالحاً الآن يعني أن ماضيك قد تمت تسويته. في هذا العمل، لا يأتي الماضي للانتقام فحسب، بل ليذكّرك بأنه لا يوجد شيء اسمه “انتهى ومضى”.
إن السبب الحقيقي الذي يجعل أعمال هارلان كوبن تثير القلق في نفس المشاهد هو إدراكنا لمدى هشاشة الاستقرار؛ فالحياة بأكملها قد تكون قائمة على سر واحد، وإذا ما خرج هذا السر إلى العلن، فإن البنيان كله ينهار في لحظة.
إذا كنت تبحث عن رحلة درامية مشوقة تفتش في زوايا الروح المظلمة، فإن “Stay Close” يقدّم لك تجربة مكثفة في ثماني حلقات، تتركك متسائلاً: ما الذي يخفيه جاري؟ وما الذي أخفيه أنا عن نفسي؟
مشاهدة ممتعة.

