اخر الأخبارمنوعات

تفكيك المشاهد المسمومة في فيلم “برشامة”: استخفاف بالشرع وتشويه للدين

لطالما كانت السينما وسيلة للتعبير والترفيه، ولطالما حظيت الكوميديا بمكانة خاصة في قلوب الجماهير لقدرتها على تمرير الرسائل وسط الضحكات. لكن عندما يتحول الضحك إلى أداة لتمييع الأحكام الفقهية، والسخرية من الشعائر، وتشويه التاريخ الإسلامي، فإن الأمر يتجاوز حدود “الفن” ليصبح هجوماً مباشراً وموجهاً ضد الدين، سواء كان ذلك بجهل من صناعه أو بتعمد واضح يثير الكثير من علامات الاستفهام.

المشكلة في فيلم “برشامة” ليست في فكرته الأساسية، فالعمل يحمل طابعاً كوميدياً جاذباً، لكن الأزمة تكمن في تلك التفاصيل المسمومة التي حُشرت في السياق حشراً، وتجميعها في عمل واحد لا يمكن أن يكون مجرد مصادفة، بل هو استسهال واستخفاف مستفز لا يصح الصمت عنه.

شحن غير مبرر وإقحام للدين في غير موضعه

تبدأ إشارات الاستهداف منذ اللحظات الأولى للفيلم، وتحديداً في مشهد “امتحان اللغة العربية”.

في سابقة لم يشهدها كوكب الأرض، يتحول امتحان العربي بالكامل إلى نصوص دينية بحتة؛ البلاغة آية قرآنية، النصوص حديث شريف، والنحو سيرة نبوية!

أين ذهب الشعر والنثر؟ أين المقال والرواية والقصص القصيرة التي تشكل قوام اللغة العربية؟ هذا الإقحام الفج يجعلك تشعر منذ البداية بأن هناك رغبة ملحة لجرّ الدين إلى سياق “الغش والتهريج”، وهو أمر يضع علامات تعجب كبيرة حول الهدف من هذه الصياغة.

امتهان للمقدسات واستهتار بالشرع

تتوالى السقطات في الفيلم لتصل إلى حد الاستهتار الصريح بأحكام الله عز وجل، ونرى ذلك تجسيداً في عدة مظاهر صادمة:

 تحدي أحكام الله: عندما يخرج الفنان حاتم صلاح ليقول علناً: “أنا بعمل الغلط وربنا بيسترها معايا وده التحدي”، فما هي الرسالة المراد إيصالها للمشاهد؟ هل أصبح التجرؤ على المعصية وتحدي ستر الله سبحانه وتعالى مادة للتباهي والضحك؟

 امتهان النصوص الشريفة: كيف يتقبل العقل والمنطق أن تخرج إجابات الأسئلة الدينية، المكتوب فيها آيات قرآنية وأحاديث شريفة، من “حذاء” الفنانة عارفة عبد الرسول؟ هل تلاشت كل قيم الاحترام والقدسية للنص القرآني ليُوضع في هذا الموضع المهين بحجة الكوميديا؟

 السخرية من الأدعية والعبادات: حتى أدعية العبادات لم تسلم من الهزل، حيث يستعين الفنان مصطفى غريب بدعاء الإفطار “اللهم لك صمت وعلى رزقك أفطرت” في سياق “تذكير بالغش”، وكأن الأدعية الدينية باتت مجرد نكات تطلق في أي وقت.

العبث بالشعائر والتاريخ الإسلامي

يتصاعد الاستفزاز ليمس أقدس شعائر الإسلام وهي الصلاة. إن مشهد دخول “العمدة” إلى المسجد بعد إقامة الصلاة، وإيقاف المصلين لكي يغشش ابنه عبر ميكروفون الجامع، هو ذروة الاستهتار بعماد الدين. الصلاة التي هي صلة العبد بربه وموضع الخشوع، تحولت في الفيلم إلى ساحة للمهزلة والتهريج.

ولم يتوقف الأمر عند العبادات، بل امتد ليشمل التاريخ الإسلامي وسيرة الصحابة الكرام؛ حيث يوجه الفنان هشام ماجد حديثه لعارفة عبد الرسول قائلاً:

“أنتي كل غزوات التاريخ الإسلامي كانت هتبقى ضدك”. الغزوات التي بذل فيها الصحابة دماءهم وأرواحهم لنشر الدعوة، أصبحت مادة للسخرية والتهكم السطحي.

نشر المفاهيم الفقهية الخاطئة

علاوة على السخرية، يساهم الفيلم في تجهيل المجتمع دينياً ونشر معلومات فقهية مغلوطة تماماً. طوال الأحداث، يصر البطل على رغبته في الاستحمام للتطهر من بول طفلة، في خطأ فقهي بشع؛ إذ إن ربع ساعة من البحث كانت تكفي الصناع ليعرفوا أن بول الأطفال (الرضع) له أحكام تخفيفية في الطهارة ولا يتطلب هذا التهويل. هذا الإصرار يثبت أن صناع العمل لم يكلفوا أنفسهم عناء المراجعة، وصدروا للناس أحكاماً مشوهة.

أين دور الرقابة؟

في زمن تتراجع فيه الهوية الدينية ويتم الاستخفاف بأحكام الشرع، قد لا نلوم صناع العمل بشكل كامل إذا كانوا يعيشون في حالة من عدم الإدراك والسطحية. لكن اللوم الحقيقي يقع على السادة في جهاز الرقابة على المصنفات الفنية.

كيف مرت هذه المشاهد مرور الكرام؟ ألم يدرك الرقباء أن هذه اللقطات تمس ثوابت مجتمعنا وتستفز مشاعر الملايين؟ كان الأجدر بالرقابة إجبار الصنّاع على إعادة صياغة هذه المشاهد أو حذفها تماماً.

ختاماً..

فيلم “برشامة” كان يمكن أن يكون عملاً كوميدياً خفيفاً وناجحاً دون الحاجة لإقحام هذه السقطات.

الاستغناء عن هذه اللقطات لم يكن لينقص من كوميديا الفيلم شيئاً، بل كان سيحميه من هذا اللغط الواسع. إن تجميع كل هذه الإساءات في عمل واحد يؤكد أن الفيلم، بقصد أو بدون قصد، جاء ليحمل توجهاً سلبياً واضحاً ضد الدين وشعائره، وهو ما لا يجب التهاون معه تحت مسمى “حرية الفن”.