تلفزيون

مسلسل “بين الشك واليقين” – رحلة بعث السيرة الفكرية للدكتور مصطفى محمود في دراما رمضان 2027

في مشهد درامي يتسم عادة بالتكتم والسرية حتى اللحظات الأخيرة، أحدث الإعلان المبكر للشركة المتحدة للخدمات الإعلامية عن مسلسل “بين الشك واليقين” حالة من الزخم الفني والثقافي غير المسبوقة في الأوساط المصرية والعربية. المسلسل، المقرر عرضه في السباق الرمضاني لعام 2027، لا يمثل مجرد عمل درامي جديد ينضم إلى قائمة المسلسلات الموسمية، بل يُعد حدثاً فكرياً وفنياً طال انتظاره لأكثر من عقد من الزمان.

يتمحور العمل حول السيرة الذاتية والفكرية لواحد من أبرز رموز الفكر والعلم والروحانيات في العالم العربي خلال القرن العشرين، وهو الطبيب والأديب والمفكر الراحل الدكتور مصطفى محمود. ومع إطلاق البرومو التشويقي والإعلان رسمياً عن إسناد دور البطولة للفنان الشاب حمزة العيلي، انفتحت أبواب النقاش والتحليل بين النقاد، وصناع السينما، والجمهور، ليعاد إلى الواجهة ملف “مسلسلات السير الذاتية” وكيفية تقديمها برؤية معاصرة تتجاوز الأنماط الكلاسيكية التوثيقية.

أولاً: كواليس الاختيار والمواقف الفنية والجمهورية

1. حمزة العيلي: من الترشيح الشعبي إلى الرهان الرسمي

لم يكن اختيار الفنان حمزة العيلي وليد الصدفة أو نتاج جلسات مغلقة لشركات الإنتاج فحسب، بل جاء تجسيداً لحالة نادرة من التوافق بين رغبة الجمهور والقرار الإنتاجي. على مدار السنوات الماضية، انتشرت عبر منصات التواصل الاجتماعي “كوميكس” وتصميمات بصرية تقارن بين ملامح حمزة العيلي في بعض أدواره المركبة وبين ملامح الدكتور مصطفى محمود في شبابه وكهولته. أشار المتابعون إلى تقارب شديد في نظرات العينين، وبنية الوجه، بل وحتى النبرة الصوتية القادرة على التلون بين الهدوء والحدة الفلسفية.

حين التقطت الشركة المتحدة هذا الخيط وأعلنت رسمياً عن توليه الدور، حظي القرار بترحيب واسع. وفي أول ظهور إعلامي له بعد الإعلان، عبر برنامج “واحد من الناس” مع الإعلامي عمرو الليثي، أعرب العيلي عن مزيج من الفخر والمسؤولية الجسيمة. وأوضح الليثي خلال اللقاء أن هذا الاختيار يمثل انتصاراً للموهبة الحقيقية والأداء النفسي المعمق على حساب معايير النجومية التجارية التقليدية، مؤكداً أن تقديم شخصية بحجم مصطفى محمود هو اختبار حقيقي لقدرة الدراما المصرية على توثيق رموزها التنويرية.

2. استقبال النقاد والمقارنة التاريخية

تلقى النقاد والصحفيون المعنيون بالشأن الفني الخبر بكثير من التحليل، حيث ركزت القراءات النقدية على مقارنة هذا المشروع بمشاريع سابقة تعثرت. لسنوات طويلة، كان النجم خالد النبوي هو المرشح الأبرز والوحيد لتجسيد هذه الشخصية في مشروع سينمائي وتلفزيوني قاده المخرج محمد الخولي والسيناريست وليد يوسف، إلا أن العقبات الإنتاجية والتسويقية، إلى جانب تعقيدات الورثة وتدقيق الرقابة، تسببت في إيقاف المشروع لمرات متتالية حتى اعتقد الكثيرون أن سيرة مصطفى محمود ستبقى حبيسة الأدراج.

يرى النقاد أن إسناد الدور لحمزة العيلي في الوقت الحالي يمنح المشروع نفساً جديداً؛ فالعيلي ممثل يتمتع بقدرات تعبيرية وحركية عالية، والجمهور لا يربطه بصورة ذهنية ثابتة (مثل أدوار الوسامة أو الحركة)، مما يسهل على المشاهد تصديقه والاندماج مع الشخصية التاريخية دون مقارنتها بأدوار الممثل السابقة.

ثانياً: البنية الفنية والهيكل الدرامي للمسلسل

1. اختزال الزمن: صيغة الـ 15 حلقة

من أبرز عناصر القوة والتجديد في مسلسل “بين الشك واليقين” هو الاعتماد على صيغة الدراما المكثفة المكونة من 15 حلقة فقط، والابتعاد تماماً عن المط والتطويل الذي عانت منه مسلسلات السير الذاتية التقليدية المكونة من 30 حلقة (مثل مسلسلات أم كلثوم، وأسمهان، والعندليب).

هذا الاختيار البنيوي يتيح لصناع العمل التركيز الشديد على الحبكة الفكرية، وتكثيف الصراعات النفسية، وتجنب الحشو بالتفاصيل الهامشية أو العلاقات الجانبية التي لا تخدم الجوهر الفلسفي للشخصية. كل حلقة ستكون بمثابة محطة رئيسية في رحلة البحث المعرفي، مما يضمن إيقاعاً سريعاً وجاذباً للأجيال الجديدة الشابة التي لم تعاصر المفكر الراحل.

2. سيناريو محمد هشام عبية: تشريح العقل والروح

يتولى كتابة المعالجة الدرامية والسيناريو والحوار الكاتب والسيناريست محمد هشام عبية، وهو اسم ارتبط في السنوات الأخيرة بالأعمال الذكية ذات البعد الإنساني والنفسي العميق. يتأسس النهج الدرامي لـعبية في هذا المسلسل على عدم الاكتفاء بالرصد الخارجي للأحداث أو المظهر الشكلي والملابس، بل يغوص السيناريو في “التاريخ السري للعقل”.

يركز العمل على التحولات الفلسفية والإنسانية الكبرى في حياة مصطفى محمود. سيبدأ من محطة دراسته للطب في جامعة فؤاد الأول (القاهرة حالياً)، وكيف أثر تشريح الجثث ومشاهدة الموت اليومية على تفكيره المادي، مروراً بمرحلة “الشك والتأمل” التي أصدر خلالها كتباً أثارت عواصف من الجدل الفكري والديني، وصولاً إلى مرحلة “اليقين” والسكينة الروحية التي تكللت بتأسيس مسجده الشهير، وجمعيت الخيرية، وتقديم برنامجه التلفزيوني الأيقوني “العلم والإيمان”.

3. إخراج كاملة أبو ذكري: عين على التفاصيل الإنسانية

تمثل قيادة المخرجة الكبيرة كاملة أبو ذكري لهذا العمل الضمانة الفنية الكبرى لخروجه بمستوى عالمي. عُرفت أبو ذكري بقدرتها الاستثنائية على إدارة الممثلين، واستخراج طاقات تعبيرية غير مكتشفة منهم، بالإضافة إلى اهتمامها البالغ بالديكور، والإضاءة، والحالة البصرية التي تعبر عن الزمن النفسي للشخصيات وليس فقط الزمن الفعلي.

في “بين الشك واليقين”، تواجه أبو ذكري تحدياً إخراجياً من نوع خاص؛ وهو كيفية تحويل الأفكار الفلسفية المجردة والتأملات الوجودية الكثيفة إلى صور سينمائية ملموسة، ومشاعر إنسانية دافقة تصل إلى قلب وعقل المشاهد البسيط دون تعقيد أو تقعر.

ثالثاً: التحضيرات والكواليس الإنتاجية

1. معسكر تحضيري مكثف لحمزة العيلي

أفادت الكواليس المسربة من التحضيرات أن الفنان حمزة العيلي فرض على نفسه ما يشبه العزلة الفنية، حيث دخل في معسكر قراءة وبحث مكثف شمل:

 إعادة قراءة المؤلفات كاملة: بدءاً من روايات مصطفى محمود المبكرة (مثل “المستحيل” و”العنكبوت”)، مروراً بكتبه الجدلية (مثل “الله والإنسان”)، وصولاً إلى كتبه الروحية المتأخرة (مثل “حوار مع صديقي الملحد” و”رأيت الله”).

 الدراسة السلوكية والصوتية: مشاهدة مئات الساعات من حلقات برنامج “العلم والإيمان” والتسجيلات النادرة للدكتور مصطفى محمود، ليس بغرض التقليد الكاريكاتوري، بل لدراسة لغة الجسد، وحركة اليدين أثناء الشرح، وطريقة التنفس، والوقفات الخطابية التي تميز بها.

 البعد النفسي: التواصل مع المقربين من عائلة الراحل وبعض تلاميذه للوقوف على ملامح شخصيته في حياته اليومية بعيداً عن أضواء الكاميرات؛ كيف كان يتعامل مع لحظات العزلة، والحزن، والإحباط، وكيف كان يدير معاركه الفكرية والصحفية.

2. شراكة إنتاجية ضخمة

تأتي الشراكة بين الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية وشركة “ميديا هب – سعدي جوهر” لتوفير الميزانية الضخمة التي يتطلبها عمل من هذا النوع. المسلسل يحتاج إلى إعادة بناء ديكورات تاريخية تمثل مصر في حقب الأربعينيات، والخمسينيات، والستينيات، والسبعينيات، بما يشمل المستشفيات القديمة، المكاتب الصحفية، ردهات الجامعات، والأجواء العامة للشوارع المصرية في تلك العهود. بالإضافة إلى ذلك، يتطلب الجانب الخاص ببرنامج “العلم والإيمان” تقنيات بصرية عالية لدمج المشاهد الدرامية بالمواد الوثائقية العلمية التي كان يعرضها البرنامج.

رابعاً: الأبعاد الفكرية والمعارك الثقافية المرتقبة

لا يمكن فصل مسلسل “بين الشك واليقين” عن السياق الفكري العام؛ فحياة الدكتور مصطفى محمود كانت عبارة عن سلسلة من المعارك الثقافية والسياسية والدينية التي لم تهدأ حتى بعد وفاته. ومن المتوقع أن يثير المسلسل نقاشات حادة حول عدة ملفات:

1. أزمة كتاب “الله والإنسان” والمحاكمة الفكرية

من المؤكد أن السيناريو سيتطرق إلى الأزمة الشهيرة التي تعرض لها مصطفى محمود في عهد الرئيس جمال عبد الناصر عندما أصدر كتابه “الله والإنسان”، وتوجيه تهمة الكفر والإلحاد إليه، ومطالبة الأزهر بمحاكمته، وكيف تدخل الرئيس عبد الناصر حينها لحل الأزمة واكتفى بمصادرة الكتاب دون محاكمة الكاتب. هذه المحطة تمثل ذروة الصراع الدرامي في مرحلة الشباب، وتوضح كيف يتشكل وعي المفكر تحت وطأة الضغوط السياسية والمجتمعية.

2. التحول نحو “العلم والإيمان” والعلاقة مع السادات

المحطة الثانية الكبرى هي التقارب الفكري والشخصي بين مصطفى محمود والرئيس محمد أنور السادات، وكيف أسهم هذا التقارب في منح المفكر مساحة واسعة لتقديم برنامجه التلفزيوني الأشهر، وتأسيس مشروعه الخيري بالمهندسين. المسلسل سيسلط الضوء على هذا التحول؛ كيف يرى المجتمع انتقال المفكر من أقصى اليسار المادي إلى منبر الدعوة العلمية الإيمانية، وكيف واجه اتهامات خصومه السياسيين بالتواطؤ مع السلطة أو الترويج لأفكار بعينها.

3. تقديم السيرة دون تقديس أو تشويه

التحدي الأكبر الذي يواجه صناع العمل – بحسب قراءات المتابعين – هو الحفاظ على التوازن الموضوعي. الدكتور مصطفى محمود شخصية تتمتع بجماهيرية كاسحة ومحبة عميقة في قلوب الملايين، وفي الوقت نفسه، يواجه انتقادات لاذعة من تيارات علمانية وتنويرية ترى في بعض أطروحاته المتأخرة تراجعاً عن المنهج العلمي الصارم. لذلك، فإن نجاح المسلسل مرهون بقدرته على تقديم “الإنسان”؛ المفكر الذي يخطئ ويصيب، الذي يبحث ويتعثر، والابتعاد عن فخ “التقديس المعصوم” أو “التشويه المتعمد”.

خامساً: التوقعات التسويقية والجماهيرية لرمضان 2027

يمثل الإعلان عن المسلسل قبل عرضه بأكثر من عام خطوة تسويقية ذكية وجريئة؛ فهي تضمن بقاء اسم العمل حياً في أذهان الجمهور والنقاد طوال فترة التصوير، وتخلق حالة من الترقب والشغف (Anticipating) تضمن له أعلى نسب مشاهدة وتغطية صحفية فور انطلاق الحلقة الأولى.

يتوقع خبراء الإعلام أن يكون مسلسل “بين الشك واليقين” الحصان الرابح لدراما رمضان 2027، ليس فقط على مستوى المشاهدة التلفزيونية في مصر، بل وعلى مستوى المنصات الرقمية العربية والعالمية، لكون الشخصية تمس وجدان المستمع والمشاهد العربي من الخليج إلى المحيط، ممن تربوا على صوت الراحل العذب وهو يفتتح حلقاته بعبارته الشهيرة: “أهلاً بكم في حلقة جديدة من برنامج العلم والإيمان…”.

ختامًا ..

إن مسلسل “بين الشك واليقين” ليس مجرد توثيق لرحلة طبيب أصبح مفكراً شهيراً، بل هو قراءة درامية في تحولات الهوية الفكرية المصرية والعربية على مدار نصف قرن. باختيار حمزة العيلي بطلاً، وكتابة محمد هشام عبية، وإخراج كاملة أبو ذكري، يبدو أن الجمهور على موعد مع عمل درامي استثنائي يعيد الاعتبار لمفهوم “مسلسلات السير الذاتية”، ويقدم نموذجاً يحتذى به في كيفية تحويل الصراع الفكري والفلسفي إلى متعة بصرية ودرامية تليق بذاكرة الفن ومستقبله.

نقلا عن موقع الجمهورية