الأفضلتلفزيون

خيانة الرواية بكارثة على الشاشة: تشريح نقدي لمسلسل Dangerous Queen

في المشهد الدرامي التايلاندي المعاصر، لم تعد أعمال “حب الفتيات” (Girls’ Love – GL) مجرد حراك هامشي أو بضعة محاولات رومانسية خفيفة، بل تحولت إلى ظاهرة صناعية وثقافية تحمل معها رغبة واضحة في التجديد وتجاوز الأطر التقليدية.

يبرز مسلسل “Dangerous Queen” المنقول عن رواية الكاتبة “Khun Phuying” كأحد أكثر النصوص الدرامية إثارة للجدل النقدي؛ أولًا لأنه مأخوذ عن رواية، وثانيًا لأنه ضل طريقه بين رغبته في تقديم دراما نوار صريحة تتناول صراع القوة والمتعة، وبين قيود الإنتاج ومتاهات التكييف التلفزيوني.

يمكن قراءة هذا العمل بوصفه صراعاً بين طموح النص وسياق الإنتاج.

 

أزمة تدمير الرواية

ينطلق البناء الدرامي للمسلسل من شخصيات متناقضة طبقيًا ونفسيًا بشكل صارخ، الاولى هي كوين والتي تجسدها الممثلة تانجكوا فينيانيش وهي سيدة الأعمال ووريثة العائلات النافذة ذات الطابع الصارم والهوس بالسيطرة، وفي المقابل نجد شخصية بونيتا التي تجسدها الممثلة نور ديسورايا وهي شخصية الفتاة المكسورة التي تعاني تحت وطأة الفقر، وإدمان والدتها، والتعنيف الاجتماعي.

في الرواية الأصلية، كان النص يُصنف ضمن الأدب الجريء او (NC-17)، حيث حُفرت العلاقة بين الطرفين في أطر موازين القوة المعقدة، واللذة المقترنة بالألم، وحس الخضوع والرغبة في الامتلاك. ولكن في العمل التلفزيوني حدث تحولاً بنيوياً في بنية الشخصيات لدرجة أفقدتها تماسكها الذي بنيت به داخل الرواية.

ثاني جانب فشل فيه المسلسل مقارنة بالرواية هو سرد الدوافع، ففي النص الأدبي، كانت بونيتا تعيش تحت تهديد دائم ومباشر من محيطها، مما جعل لجوءها لـ كوين أداة بقاء قاسية.
أما على الشاشة فقد استبدل صناع العمل الخطر الداهم بوجوه أكثر نعومة، مثل تحويل شخصية الجار المترصد المهووس بها إلى شخصية كيم الأكثر مدنية في البداية، وهذا التخفيف أضعف الشرارة الأولى التي شحنت علاقة البطلتين بالتوتر والضرورة النفعية، وأضعف الأسباب التي قادتهم أصلا إلى هذه العلاقة.

ثالث جريمة ارتكبها المسلسل في حق الرواية هي تفصيل الشخصيات، حيث تم تحويل شخصية بونيتا في التلفزيون إلى ضحية سلبية إلى حد ما، بينما كانت في الرواية تتسلح بشراسة دفاعية حادة ناتجة عن البيئة الخشنة التي نشأت فيها. وهذا التحول على الشاشة جعل العلاقة تبدو في أجزاء منها كأن طرفا يسعى إلى المخلص الثري لانقاذه، بدلاً من أن تكون صداماً بين إرادتين كما قدمت الرواية.

التفكيك الفني والجندري .. ديناميات السيطرة والاستحواذ

من الناحية الجندرية، يطرح المسلسل تساؤلاً هاماً حول كيفية تمثيل العلاقات المثليّة النسائية حينما تستعير هيكلية “السلطة الذكورية” او ال (Alpha Dynamics).
تظهر شخصية كوين ببدلاتها الرسمية الخالية من أي تفاصيل عاطفية، تمشي بثبات في أروقة الشركات وتتخذ قرارات مالية صارمة. هذا التمثيل كسر بالتأكيد النمط التقليدي للمرأة في الدراما الآسيوية، واحتفى بطبيعة الأنثى التي تأمر وتنهي! ولكن بالنظر للعمق العاطفي، نرى أن المسلسل وقع في فخ تحويل الحب إلى “استحواذ ملكية”، فالعلاقة تتطور في كثير من المشاهد ليس من خلال الحوار المتكافئ، بل عبر وفرة من نظرات الهيمنة، ودعم مالي ونفوذ يضع الطرف الآخر تحت التزام أخلاقي ونفسي دائم.
هذا الامتلاك يُلبس ثوب الرومانسية بالكاد، وهو ما عكس مدى الاستسهال الكتابي، واستبدل بناء النسيج النفسي المعقد للشخصيات في الرواية، بالتلقين البصري لقوة الطرف الأول وضعف الثاني.

الصورة، المونتاج، والشريط الصوتي

عند تشريح المستوى البصري والتقني للمسلسل، تظهر الفجوة الواضحة بين الإمكانات الإنتاجية للشركات الصغرى الناشئة ورؤية الدراما النوار.

اعتمد المخرج على نظام الإضاءة المتباينة (Chiaroscuro) لإبراز العالم الفخم لـ كوين في مقابل الأزقة المظلمة والمنازل المتداعية لـ بونيتا، بينما وظف الألوان الداكنة والظلال في منح المسلسل هوية بصرية مميزة عن الدراما التايلاندية المعتادة الممتلئة بالإضاءة الساطعة. غير أن الإفراط في استخدام “الحركة البطئية” والنظرات الصامتة الطويلة أتى بنتيجة عكسية؛ فبدلاً من صناعة شحنة عاطفية أو توتر درامي ناعم، تحولت تلك المشاهد إلى رتابة زمنية أضرّت بالإيقاع العام.
وجاء الشريط الصوتي الممل والمتوتر ليضعف اكثر من القيمة الفنية للعمل ككل. حيث شكلت هندسة الصوت أحد أضعف جوانب العمل الفنية؛ اولا بسبب تباين مستويات الصوت بين الحوارات والموسيقى التصويرية، وانقطاع المقاطع الموسيقية بشكل فجائي دون تمهيد سينمائي مناسب. وثانيا بسبب المبالغة في تكرار الموسيقى الرئيسية ما جردها من قيمتها التعبيرية لتتحول إلى خلفية مجهدة للأذن.

المونتاج والإيقاع الواقع

عاني المسلسل من اضطراب في المونتاج البنائي؛ إذ بدأت الحلقة الأولى بتقديم واعد وشديد التماسك، لتهبط الوتيرة في منتصف العمل عبر إعادة تدوير النزاعات ذاتها مثل أزمات الديون، ومحاولات الاستغلال، وذلك قبل أن تستعيد الدراما إيقاعها في الحلقة الأخيرة.
هذا الإيقاع المضطرب للأحداث، فضح عدم سلاسة الانتقال بين خط الدراما الرومانسية وخط الحبكة الجانبية المتمثلة في الجريمة والمؤامرات السياسية التجارية.

الأداء التمثيل

لا يمكن تقييم العمل دون الوقوف عند كيميائية البطلتين والأداء التمثيلي المتباين.
كان بالطبع الأداء الأقوى للممثلة تانجكوا فينيانيش التي قدمت شخصية كوين، حيث امتلكت الممثلة حضوراً مسرحياً وكاريزما بصريّة نجحت في إقناع المشاهد بشخصية المرأة الصارمة القاسية.
ومع ذلك فان الحوارات الضيقة والسيناريو المحدود منعاها من استكشاف مناطق الهشاشة الداخلية للشخصية، مما جعل الأداء يحبسها في منطقة واحدة: وهي “الوجه الثلجي النبيل”.
اما الممثلة نور ديسورايا فرغم ان تمثيلها احيانا بدا ك أداءً حقيقياً غير متكلف يعبر عن الفراغ النفسي والإنهاك الذي تعيشه شخصية تعرضت للإساءة المستمرة، ولكنه في غالبية مواقف المواجهة التي تتطلب انفعالاً حاداً أو بكاءً عميقاً، كان أداءً مسطحاً يفقد الملامح العاطفية؛ مما جعل العلاقة على الشاشة في النهاية يبدو فيها الطرف الأول مؤدياً والطرف الثاني متلقياً.

من ناحية اخرى، تميزت بعض الشخصيات الثانوية بأداء لافت، كشخصية الحارس الشخصي سام الذي منح العمل جرعات من التوازن الاجتماعي والإنساني وايضاً لحظات من الكوميديا الخفيفة، وشخصية الأم التي أتقنت تجسيد ملامح الإدمان والجشع بشكل يثير حنق المتابع.

ختامًا ..

على الرغم من ان المنتج بشكل نهائي يستحق منتجه ومخرجه التعرض للتوبيخ في ميدان عام، وعلى الرغم من الثغرات التقنية والسردية، وكارثية الفوارق عن الرواية، إلا أن مسلسل “Dangerous Queen” يمتلك واحدة من أفضل النهايات الشاملة في الدراما التايلاندية الناشئة من هذا النوع؛ حيث ابتعدت الحلقة الأخيرة عن الحلول السريعة أو الخواتيم الوردية المجانية، وقدمت إغلاقاً منطقياً لخيوط الجريمة والانتقام وتحديداً فيما يتعلق بالعقاب والمغفرة.

إن تجربة “Dangerous Queen” هي مرآة لطموح الدراما التايلاندية الحديثة؛ تجربة تحاول الخروج من أسر القصص المدرسية والرومانسية الخفيفة لتخوض في الدراما النفسية والاجتماعية المظلمة.
وإن كانت قد عانت من تعثرات الميزانية وأخطاء المونتاج وسيناريو مفكك، إلا أنها فتحت الباب لجرأة أكبر في طرح موضوعات القوة، السيطرة، والعلاقات المعقدة داخل هذا النوع الدرامي الواعد.