كيسي أفليك ينافس على الأسد الذهبي بفيلم يضع الحقيقة في موضع الشبهة
تستقبلك الدورة الثالثة والثمانون من مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي برهان درامي استثنائي يقوده المخرج كيسي أفليك عبر فيلمه الجديد “رُفَقاء” (Company)، المشارك في المسابقة الرسمية للمهرجان، حيث يضع الجمهور أمام تجربة سينمائية غير تقليدية تشكك في البديهيات وتنسف المفهوم المعتاد للواقعية الحكائية.
يدخل أفليك منافسات “الأسد الذهبي” بفيلم يتجاوز الفكرة المباشرة للسرد، ليركز على التساؤل الفلسفي حول دوافع البشر المديدة لصياغة الحكايات. وتبدأ المشاهد الأولى برواية حكاية خلال عشاء عام 1975، لكن هذه الرواية سرعان ما تتشعب وتنتقل بين أزمنة مختلفة وشخصيات متعددة تحمل في طياتها الأسرار والمخاوف، ليصبح العمل تأملاً واضحاً في كيفية إعادتنا لتشكيل الماضي كي نستطيع مواصلة الحياة.
كتب أفليك السيناريو بالشراكة مع رون هانسن، مقدماً بنية درامية تضع الحقيقة في حالة تحول مستمر، حيث تتشكل المعرفة بالنص عبر شهادات الشخصيات ورواياتها التراكمية. ويتحول الماضي لدى الشخصيات، وعلى رأسها الشخصية التي يجسمها نيك نولتي، إلى مساحة صريحة للتفسير والندم والمواجهة الداخلية، رغم أن تشعب الخيوط الدرامية واستدعاء الرواة المترادفين يضع الإيقاع في بعض الفترات تحت ثقل التفاصيل المتزايدة.
وعلى المستوى الإخراجي، يبدي أفليك تحكماً بصرياً واضحاً بالتعاون مع مدير التصوير ماسانوبو تاكاياناغي، حيث تعتمد الكاميرا على المساحات المغلقة والتكوينات الضيقة والإضاءة الثقيلة لإبراز القلق الداخلي، بالتوازي مع مونتاج مرن يتعامل مع الزمن باعتباره جزءاً من ذاكرة الشخصيات.
شهد العمل حضوراً لافتاً للنجم نيك نولتي الذي قدم أداءً متزناً يعكس عمق الصراع مع الماضي، إلى جانب مشاركات متوازنة لكل من كايلي كوان، وإميلي ألين ليند، وأديلايد كليمنس، وأتيكوس أفليك. كما يتنقل الشريط السينمائي نبرياً نحو مناطق أقرب إلى أجواء الرعب النفسي، مستفيداً من فكرة العنف التراكمي وآثاره الممتدة.
ينتهي الفيلم بترك المتلقي أمام تجربة سينمائية تجعل من التخلي عن البحث عن إجابة مطلقة الخيار الأنسب لمتابعتها، مؤكداً على أن القيمة الحقيقية للعمل تتلخص في قدرته على طرح التساؤل المفتوح حول حدود الحقيقة والمساحة التي تمنحها لنا الحكايات للاستمرار.

