هندسة الخيال.. قراءة في 5 عقود من سينما الخيال العلمي لستيفن سبيلبرغ
يترقب عشاق الفضاء والسينما في الحادي عشر من الشهر المقبل طرح الفيلم الجديد للمخرج والمنتج العالمي ستيفن سبيلبرغ، والذي يحمل عنوان “يوم الكشف” (Disclosure Day). ويمثل هذا العمل المحطة رقم 40 في مسيرته السينمائية الطويلة، بعد تاريخ حافل بدأه بـ 13 فيلماً تلفزيونياً قبل الانتقال إلى الشاشة الكبيرة، بالإضافة إلى عملي فيديو وفيلمين قصيرين قدّمهما بين عامي 1999 و2022.
بالعودة إلى البدايات، فإن فيلمه الأول الذي عُرض في الصالات “مبارزة” (Duel) عام 1971، أُنتج في الأصل للتلفزيون داخل الولايات المتحدة، لكنه نال فرصة العرض السينمائي عالمياً خارجها، وهو ما كان شائعاً في تلك الحقبة. الفيلم ينتمي لأفلام الطريق والتشويق، ويدور حول رجل أعمال بسيط تلاحقه شاحنة غامضة في صحراء أريزونا بهدف قتله، ورغم طبيعته الواقعية، إلا أن فكرة المطاردة نفسها حملت بذور خياله السينمائي اللاحق.
المحطة العاشرة في عالم الفضاء
يأتي فيلم “يوم الكشف” (أو “يوم الإفصاح”) ليناقش قضية غزو الكائنات الفضائية للأرض، ليصبح بذلك الفيلم العاشر في مسيرة سبيلبرغ كمخرج لسينما الخيال العلمي، فضلاً عن الأعمال العديدة الأخرى التي اكتفى بإنتاجها وأوكل مهمة إخراجها لغيره.
بدأت هذه الرحلة الطويلة مع تسعة أفلام سابقة، انطلقت رسمياً عام 1977 بفيلم “لقاءات قريبة من النوع الثالث” (Close Encounters of the Third Kind). ورغم أن سبيلبرغ أخرج في صغره عام 1964 فيلم هواة من النوع نفسه بتمويل شخصي وهو في الثامنة عشرة من عمره، إلا أنه لا يُدرج ضمن أعماله الاحترافية.
جاء “لقاءات قريبة…” كأول تجربة حقيقية له مع سينما الفضاء، وثالث أفلامه الروائية الطويلة بعد “ذا شوغرلاند إكسبرس” (1974) وفيلم الرعب الشهير “الفك المفترس” (Jaws) الذي حطم الأرقام القياسية في صيف 1975. وبينما اعتمد سبيلبرغ على التشويق والدراما في أعماله الأولى، نقل هذا الأسلوب التشويقي بكفاءة إلى عالم الكائنات القادمة من الطابق العلوي للكون.
وفي عام 1982، عاد سبيلبرغ إلى نفس الأجواء بفيلمه الأيقوني “خارج الأرض” (E.T. the Extra-Terrestrial)، وجاء هذا النجاح بعد تباين في حظوظه التجارية، حيث أخفق فيلمه الكوميدي “1941”، بينما حقق فيلم المغامرات “غزاة الفُلك المفقودة” (Raiders of the Lost Ark) نجاحاً ساحقاً عام 1981.
بين الكائنات الودودة والوحوش المدمرة
يتميز فيلما “لقاءات قريبة” و”إي تي” بنظرة تعاطفية فريدة واستثنائية تجاه الكائنات الفضائية في مسيرة سبيلبرغ؛ ففي الأول دعا إلى بناء جسور التفاهم معها، وفي الثاني حوّل القصة إلى دراما عائلية دافئة وسريعة الإيقاع حول مخلوق فضائي ضل طريقه على الأرض بعدما غادرت سفينته من دونه.
وقبل أن يستأنف رحلاته إلى أعماق الكون، عرج سبيلبرغ على فرع آخر من الخيال العلمي من خلال إعادة إحياء وحوش ما قبل التاريخ، فأخرج فيلم “حديقة الديناصورات” (Jurassic Park) عام 1993، وأتبعه بجزء ثانٍ بعد أربع سنوات نتيجة النجاح الجماهيري الضخم. وعلى الرغم من تصنيف النقاد لأفلام الوحوش كجزء من الخيال العلمي لاعتمادها على مبررات علمية، إلا أنها تظل أقرب لسينما الإثارة والمغامرة.
النقلة الفلسفية الأبرز لسبيلبرغ في هذا النوع جاءت عام 2001 من خلال فيلم “ذكاء اصطناعي” (A.I. Artificial Intelligence). الفيلم يستعرض قصة الطفل الآلي “ديفيد” الذي تبنته عائلة لتعويض غياب ابنها المريض، وما يميزه عن بقية الآلات هو قدرته على المشاعر والحب. وتتحول الحكاية إلى مأساة إنسانية عندما يشفى الابن الحقيقي وتتخلى العائلة عن ديفيد، لتبدأ رحلته في البحث عن هوية وحب مفقود. ورغم العاطفية الزائدة التي أخذها بعض النقاد على الفيلم، إلا أن فكرته وتنفيذه البصري وضعاه في مصاف كلاسيكيات الخيال العلمي.
وفي عام 2002، قدم سبيلبرغ رؤية سوداوية ومستقبلية متفوقة في فيلم “تقرير أقلية” (Minority Report)، حيث يجد الإنسان نفسه محاصراً بأنظمة تكنولوجية ورقابة صارمة تسلب منه إرادته وتتحكم في مصيره.
ثم عاد المخرج إلى فكرة الغزو الفضائي العنيف عام 2005 عبر فيلم “حرب العوالم” (War of the Worlds)، والذي التقى فيه مجدداً مع النجم توم كروز بعد تعاونهما في “تقرير أقلية”. ويعد هذا العمل، المستوحى من فيلم كلاسيكي بنفس الاسم للمخرج بايرون هسكِن عام 1953، نموذجاً متميزاً لسينما الإثارة والتشويق.
أما المحطة التاسعة وقبل الأخيرة لسبيلبرغ في هذا النطاق، فكانت فيلم “Ready Player One” الصادر عام 2018، والذي تدور أحداثه في عالم افتراضي عام 2045 ومستوحى من رواية تحولت إلى لعبة فيديو. ورغم الإمكانيات البصرية للفيلم، إلا أنه واجه استقبالاً نقدياً فاتراً، واعتبره البعض عملاً يفتقر إلى البصمة العميقة والمبرر القوي الذي اعتاد سبيلبرغ تقديمه في روائعه السابقة.

