اخر الأخبارمنوعات

سرقة أم توارد خواطر ثقافي؟ “بولغري” تثير الجدل بتصميم “اللوتس المصرية”

شهدت منصات التواصل الاجتماعي حالة واسعة من الجدل الثقافي والفني خلال الأيام الماضية، بعد أن فجّر صانع المحتوى المهتم بالحضارة المصرية واللغة القبطية، شادي الحكيم، نقاشًا ساخنًا حول دار المجوهرات العالمية “بولغري” (Bvlgari).

النقاش تمحور حول مجموعة “Divas’ Dream” الشهيرة، حيث وجهت اتهامات للدار باقتباس تصميم زهرة اللوتس المصرية الفرعونية ونسبه بالكامل إلى الحضارة الرومانية.

بين الرواية الرسمية للدار والتشابه البصري الصادم، فتح هذا الجدل الباب على مصراعيه أمام أسئلة أعمق تتعلق بالحقوق الثقافية، ومدى تأثر الفن الروماني بالرموز المصرية القديمة.

الرواية الرسمية لدار “بولغري”

عند تفحص الحسابات الرسمية لدار “بولغري”، نجد أن الرواية الرسمية الموثقة لديهم تنص على أن تصميم مجموعة “Divas’ Dream” مستوحى بشكل مباشر من لوحات الموزاييك (الفسيفساء) الرومانية التاريخية الموجودة في “حمامات كاراكلا” الشهيرة في روما.

بالرجوع إلى صور الفسيفساء في تلك الحمامات الرومانية، يتضح أن الدار لم تزيّف الحقيقة؛ فالرسمة الهندسية متطابقة بالفعل مع خطوط المجموعات المصممة. ولكن بمجرد النظر إلى القطع الفنية، يصعب على العين تجاهل زهرة اللوتس المصرية؛ حيث تتطابق الخطوط المروحية، والتقسيمات الهندسية، والإحساس البصري العام مع الرمز المصري القديم بشكل يثير الدهشة.

بين روما ومصر القديمة: هل هي لوتس أم قشور سمك؟

يطرح خبراء التاريخ والفن سؤالًا جوهريًا: هل كانت تلك الزخارف الرومانية في حمامات كاراكلا نتاجًا لتأثيرات مصرية سابقة؟

تاريخيًا، حكمت الإمبراطورية الرومانية مصر لقرون، وكانت الحضارة المصرية القديمة بمثابة منبع هائل استلهم منه الرومان الفنون، والعمارة، والرموز الدينية؛ فانتقلت المسلات، وأوراق البردي، وزهور اللوتس إلى الفن الروماني بأشكال متعددة.

وهنا يبرز الفارق الزمني الشاسع؛ فاللوتس ظهرت في الفن والعقيدة المصرية منذ عصر ما قبل الأسرات والدولة القديمة (أكثر من 3000 عام قبل الميلاد)، في حين تأسست روما كمدينة في القرن الثامن قبل الميلاد (753 ق.م)، ولم تتأثر بثقافات الشرق إلا بعد ذلك بقرون طويلة.

على الجانب الآخر، يرى بعض علماء الآثار أن التصميم الروماني في حمامات كاراكلا لا علاقة له باللوتس من الأساس؛ حيث يُعرف هذا النمط الهندسي في علم الآثار باسم “نمط قشور السمك” (Fish-scale pattern)، وهو مجرد تكرار هندسي لزخارف رومانية تقليدية.

أما الحضارة اليونانية فقد استخدمت اللوتس كعنصر زخرفي بحت يُعرف باسم “اللوتس والبالميت” (Lotus and Palmette) أو “الأنتيميون” (Anthemion) لتزيين الفخار والأعمدة، لكنه ظل مجرد زينة ولم يحمل القيمة الروحية والدينية العميقة التي حظي بها في مصر القديمة.

ذكاء تسويقي أم اعتراف مبطن؟

اللافت للنظر أن دار “بولغري” أظهرت ذكاءً تسويقيًا كبيرًا في بعض توصيفاتها الإعلانية للمجموعة؛ فبينما يغيب الذكر المباشر للوتس في التوصيف الأساسي للموقع الإلكتروني حاليًا، إلا أن الدار أشارت في مواد وصفية أخرى إلى أن الشكل الهندسي للمجموعة، بجانب تمثيله للموزاييك الروماني، يستحضر أيضًا زهور اللوتس المصرية، والمراوح اليابانية التقليدية، وأوراق شجر “الجنكة”.

هذا التعدد في الوصف يعكس إدراك الدار بأن التصميم يتقاطع مع ثقافات عالمية مختلفة يمكن قراءتها بأكثر من طريقة، وهو ما يضمن لها انتشارًا أوسع وجاذبية ثقافية متعددة الأوجه.

معركة الحقوق الثقافية

أعادت هذه الواقعة فتح ملف “الحقوق الثقافية” حيال استغلال التراث العالمي تجاريًا.

ويرى متخصصون أن استفادة الشركات العالمية من تراث الحضارات القديمة لا يجب أن تمر دون موافقة أو دون تقديم مقابل مادي أو معنوي عادل للدول أصحاب هذا التراث، خاصة وأن الدار كانت قد قدمت في السبعينيات مجموعات مستوحاة من حضارات مختلفة دون صياغة أطر واضحة لحماية هذه الحقوق.

يبقى السؤال الأكثر إلحاحًا الذي يتردد في أروقة المهتمين بالآثار: لماذا تتكرر هذه المعارك الجدلية مع الحضارة المصرية تحديدًا؟ ولماذا نكتشف مرارًا وتكرارًا أن رموزًا وتصميمات عالمية تُنسب في الوعي الجمعي لحضارات متأخرة، بينما تعود جذورها الأصيلة إلى قلب وادي النيل؟