ذهب ولم يعد .. حكاية مطربة ‘لطيفة’ غابت عن المنافسة ولا يسمعها احد
تقف الفنانة لطيفة اليوم في منطقة شديدة الغرابة داخل الساحة الغنائية العربية، فهي مطربة محترمة، ملتزمة، وتواظب على ضخ مصاريف طائلة كل عام لإصدار ألبوم غنائي متكامل يتجاوز عشر أغنيات في كل صيف، لكنها في المقابل تفتقد العنصر الأهم للاستمرار، وهو الرؤية الموسيقية الواضحة التي تحمي تاريخها وتحدد مسارها المستقبلي.
تستمع كل عام إلى جديدها فلا يسعك إلا الشعور بحالة من التعاطف والأسى تجاه كل هذا الجهد والإنفاق.
رُهان المهرجانات الخاطئ
الصورة حاليًا لا تحتاج الكثير من التأمل، لطيفة فقدت بوصلتها الموسيقية بنسبة تتجاوز التسعين بالمئة، ولعل التساؤل يفرض نفسه عما إذا كان كونها تنتمي لجنسية أخرى وغير مصرية مع إصرارها على تقديم ألبومات مصرية مئة بالمئة هو السبب في هذا الانفصال، حيث أصبحت لا تدري ما الذي يجب تقديمه وما الذي ينبغي التوقف عنه فوراً.
ما زالت لطيفة تعيش تحت وهم أن أغاني المهرجانات المودرن هي السبل الوحيدة للنجاح في الشارع، فتذهب لإنتاج ألبوم يحتوي على اثنتي عشرة أغنية، من بينها تسع أغنيات تنتمي لشكل موسيقي واحد مكرر من المقاسيم والمهرجانات. هذا اللون لا يليق بصوتها ولا يتماشى إطلاقاً مع متطلبات السوق الحالي، وحتى عندما تنفق المبالغ الطائلة وتستعين بفطاحل صناع الموسيقى والملحنين في مصر، تجبرهم على استنساخ الأشكال الموسيقية نفسها، وكأن الوقت قد حان لنقول لها بكل صراحة: يا سيدتي خلاص كفاية، انتهى هذا الزمن.
غياب هيمنة شركات الإنتاج
لطيفة من الأصوات التي يكمن جمالها الحقيقي في أغاني البوب ذات الإيقاعات التوزيعية المتجددة، وهو الاستايل الحلو واللذيذ الذي نجحت فيه سابقاً ولايق عليها تماماً، فما السر وراء هذا الحياد والتصميم على حشر صوتها في المهرجانات؟
قد يستوعب الجمهور أغاني المقسوم، لكن المهرجانات تظل علامة استفهام كبرى!!
لمعرفة أين كانت لطيفة وكيف يبنى النجاح، يكفي العودة إلى ألبوم “متروحش بعيد” عام 2003، لنرى كيف استطاع المنتج محسن جابر وشركته تقديم ألبوم أسطوري يخطو فوق أي ألبوم يطرح اليوم، حصدت به مطربته جائزة الميوزك أورد باكتساح ودمرت به الأسواق. وواصلت هذا النجاح الكبير لاحقًا مع شركة روتانا بألبوم قوي جداً وهو “في الكام يوم اللي فاتوا”، ثم عادت للتألق بألبوم “أحلى حاجة فيا”. كان ذلك امتداداً لشريط تاريخها في التسعينيات بألبومات كاسيت حفرت اسمها مثل “موحشتكش”، “بحب في غرامك”، “لطيفة غير”، والأغنية الشهيرة “إنشالله”.
الفرق الجوهري هنا أن شركة الإنتاج الكبيرة كانت تملك سلطة التوجيه وتملك قرار قول “لا” و”نعم” لحماية الفنان، أما في زمن الإنتاج الذاتي، فالصناع والملحنون يتعاملون بمنطق تأمين مصاريف المعيشة والرزق، فيرددون: “طالما هي اختارت ذلك فلماذا أقطع رزقي؟”، لتبقى هي بلا موجه فني يملك شجاعة النصيحة.
التواجد الشكلي
منذ ألبوم “مفيش ممنوع”، تحول التواجد الفني لدى لطيفة إلى مجرد رغبة في الغناء والسلام، دون قدرة على المحافظة على نجاحاتها القديمة أو ابتكار أسلوب خاص يميزها عن غيرها.
ورغم أن الألبوم الأخير “شبهي بالمللي” قد يحمل أفكاراً موسيقية معقولة، إلا أن الأداء الغنائي وجودة الصوت لم يعودا كما كانا.
ومن الغريب جداً لمطربة كانت من أقوى نجمات الوطن العربي أن تطرح ألبوماً كل سنة في آخر ثلاث سنوات دون أن يسمع عنها أحد خبر، أو تخرج منها أغنية واحدة تحقق النجاح أو الشهرة في الشارع. وإن كان هناك ما يمكن استثناؤه وعدّه معقولاً ومسموعاً لصلابته الفنية في ألبومها الأخير، فهي أغنيات محدودة مثل “شبهي بالملي”، “الصبر”، “اجيبلك ايه”، “حب حب”، “دقة نقص”، “حلي حلي”، و”النص الحلو”.
خلاصة القول .. الناس الذين صنعوا العصر الذهبي يضيعون مع الزمن عندما يغيب العقل المدبر، ورسالتنا الأخيرة لها: أستاذة لطيفة.. اصحي !

