الأكثر قراءةمقالات

عُشّاق العَبَث.. حين يُباع “النَكَد” تحت لافتة “التطوير”

عندما يتولى الإدارة عقل يخلط بين “التطوير” و”العبث”، تكون النتيجة الطبيعية هي النكد المجاني على خلق الله. لا أعلم حقيقة ما السر وراء هذيان بعض المسؤولين ورغبتهم المحمومة في صناعة الشقاء، وكأن كراسيهم لا تكتسب شرعيتها إلا بانتزاع لحظة الصفاء الوحيدة من حياة الناس.

ما حدث مؤخراً في أروقة الإذاعة ليس مجرد تعديل في جدول برامج أو تغيير في خريطة بث، بل هو سلوك عنجهي يعكس جهلاً متقعراً بطبيعة الوسيلة وجوهر علاقتها بالجمهور. أن يصحو “مسؤول جهبز” من نومه ليقرر بجرعة شجاعة غير محسوبة نقل موعد إذاعة أغاني أم كلثوم الساعة الحادية عشرة مساءً إلى توقيت آخر تحت لافتة “التطوير”، فهذا لا يسمى سوى تخريب متعمد للذاكرة الجمعية.

الإذاعة بالنسبة للمصريين ليست مجرد مكتبة صوتية يُسحب منها شريط ويُوضع آخر، ولا هي مساحة للتجريب العشوائي. الإذاعة حالة طقسية، عادة يومية، وموعد مقدس مع “الست” تشكل عبر عقود حتى أصبح جزءاً من التكوين النفسي للمستمع. الحادية عشرة مساءً لم تكن مجرد رقم على الساعة، بل كانت ميعاداً مضبوطاً على نبض الناس، جاء هذا الجهبز ليدهسه بصلف لمجرد أن يترك “بصمته”، وحتى لو كانت هذه البصمة غبية وتفوح بالعبث.

التطوير الحقيقي يتطلب عقلاً يطرح الأسئلة الصحيحة: ما الذي تعطل لكي نصلحه؟ هل اشتكى الجمهور؟ هل تراجعت نسب المشاهدة أو الاستماع؟ هل هناك دراسة تقول إن تغيير الموعد سيجذب أجيالاً جديدة؟ التطوير عملية واعية تتضمن الدراسة والتجريب والإعلان للناس واحترام عقولهم. أما ما حدث فهو تصرف أحمق يتعامل مع الإذاعة وكأنها “ورث خاص” يتصرف فيه المسؤول كما يشاء خلف الأبواب المغلقة ودون أدنى اعتبار لأصحاب الحق الأصليين: المستمعين.

إن تحويل المواعيد الثابتة التي أصبحت جزءاً من الهوية إلى ساحة للاجتهادات الفردية الرخيصة هو نكد صريح ومكتمل الأركان. رحماء بالناس وبأوقاتهم المتبقية للهدوء، فليس كل تغيير إنجازاً، وبعض القرارات ليست سوى تخريب مُقنع برداء التطوير.