من الأرشيف

القوة في الحلقات المعدودة.. فلسفة تيسير فهمي في اختيار الشخصيات المركبة

في كواليس الدراما المصرية، تبدو القرارات التي يتخذها الفنانون أحيانا غريبة للوهلة الأولى، لكنها مع مرور الوقت تتحول إلى علامات فارقة في تاريخهم الفني.

هذا ما حدث تماما عندما التقيا المخرج الكبير يحيى العلمي والفنانة تيسير فهمي لوضع اللمسات الأخيرة على مشاركتها في الملحمة الوطنية “رأفت الهجان”.

لم يكن هذا التعاون هو الأول بينهما، إذ سبق وأن أخرج لها فيلم “الليلة الموعودة”، وكان مدركا تماما لمدى إمكانياتها التمثيلية وطاقتها الفنية. ولهذا السبب بالتحديد، لم يعرض العلمي على تيسير فهمي دور “سارة”، بل قدم لها دورا آخر أكبر حجما ومساحة على الشاشة.

لكن المعادلة اختلفت تماما عقب قراءة السيناريو؛ حيث استوقفت شخصية “سارة” الفنانة القديرة، لتسأل المخرج عن المرشح لهذا الدور، وعندما أجابها بأنه لم يستقر على أحد بعد، فاجأته برغبتها الشديدة في تجسيده.

أثار هذا الطلب دهشة العلمي، متسائلا كيف تتخلى عن مساحة كبيرة لتختار دورا يقتصر على حلقات معدودة، لتؤكد له أن مشاعرها وإحساسها الفني ينجذبان نحو “سارة” ويريان أنها الأنسب لها.

وقد استعاد الإعلامي عمرو الليثي، الذي كان يعمل حينها مساعدا للمخرج في المسلسل، تفاصيل من تلك الكواليس، مشيرا إلى أنه لا يزال يتذكر مشهدها الشهير أمام الفنان الراحل محمود عبد العزيز؛ حيث استمرت في البكاء بحرقة حتى بعد أن هتف المخرج بكلمة “Cut”، لتؤكد له تيسير فهمي أن هذا المشهد بالذات كان السبب الرئيسي في عشقها للشخصية والتمسك بها.

من زاوية تحليلية للمشهد، يدخل المشاهد الأحداث وهو يعلم تماما أن “سارة” تنصب فخا ومصيدة لـ “ليفي كوهين”، وبالتالي فإن التوقع الأولي ينحصر في متابعة حيلة خديعة.

تكمن الصعوبة الفنية للتحول في هذا المشهد في قدرة الممثل على تغيير قناعة المتابعين أثناء العرض، فنخرج من اللقطة بحالة من التعاطف الكامل معها، بل ونصدق أنها أحبته بصدق.

لو قدمت الفنانة الأداء بطريقة مختلفة، لربما انتاب المشاهد شعور بالريبة ولحذر البطل قائلا “إنها تخدعك”، إلا أن صدق مشاعر تيسير فهمي وأداءها المتزن مكناها من نقل الحالة الانفعالية المطلوبة بدقة متناهية دون تغيير حرف واحد من النص، لتقدم مشهدا يظل حافرا في ذاكرة الدراما العربية.