تلفزيون

مسلسل “US”: تحفة بصرية هادئة تسقط في فخ الرتابة وعيوب الحبكة

في مقابل عشرات المسلسلات سريعة الطبخ عالية الإثارة والتي يتم صناعتها بدوافع تجارية بحتة، يأتي مسلسل US ليربك مشاهدين مسلسلات ال GL حول العالم، وترتقي بالذائقة الفنية إلى مستوى يصعب تجاوزه.

العمل ليس مثاليا، ففي حلقته الأولى يبدو داكنًا .. صورة قاتمة باهتة وشخصيات غير سعيدة تائهة، ولا اي مشاعر تلوح في الأفق رغم انه مسلسلا عاطفيا في المقام الأول، ولكن مع بعض الصبر والمتابعة يبدأ العمل في الكشف عن جواهره واحدة تلو الأخرى، والتي تعتبر أغلاهم هي جوهرة النص.

النص يتعمق بحساسية وصدق في تعقيدات التجربة الإنسانية، ويستكشف موضوعات حساسة مثل الفقد، الحزن، الوحدة، والفراغ العاطفي. وبدلا من الانزلاق إلى الدراما المفتعلة، يحتضن النص ضعف شخصياته ويحوله إلى قوة دافعة للنمو والتعافي.

 

محرك الأحداث

تبدأ جذور القصة من مأساة حزينة، حيث تعرضت “بام” لصدمة قاسية بعد فقدان والديها في حادث مأساوي. تزداد الأمور تعقيدا عندما يتضح أن والد “راك” هو المتسبب الرئيسي في وفاتهم، مما يترك أثرا نفسيا عميقا وحزنا دفينا في حياة “بام” ورغبة ايضا في الانتقام، ويجعلها هذا تعيش في فراغ عاطفي كبير.
على الجانب الآخر، تظهر “راك” في حياة “بام” كشخصية دافئة ومتفهمة. بدلا من أن تشتعل نيران الكراهية والعداء المعتاد في مثل هذه الحبكات الدرامية، تنجذب الفتاتان إلى بعضهما البعض. تقترب “راك” من “بام” محاولة كسر الحواجز النفسية التي بنتها الأخيرة حول نفسها، وتبدأ بينهما علاقة مبنية على التواصل الصحي والدعم المتبادل.

الحكاية تدور في الاساس حول “راك” وهي المحرك لكل الأحداث تقريبا، راك التي تحمل في داخلها عبئا ثقيلا ومأساة لم تكن من صنيعتها، بل ورثتها عن والدها. الوالد الأناني الذي لا تهمه في الحياة سوى ملذاته وإدارة المستشفى الخاصة به، حتى لو كان الثمن تعكير حياة كل من حوله. لا يتسبب والد راك فقط في سلب حياة والدي بام، بل يتسبب في مأساة اكثر من طفل غير شرعي رفض الاعتراف بهم او تحمل مسئولياتهم.
وتكتشف راك تدريجيا مصائب الأب، ولكن بدلا من الهروب من هذا الإرث المظلم أو الاختباء خلف الشعور بالذنب، تختار راك أن تواجه الأمر بشجاعة، وتظهر كشخصية دافئة، متفهمة، ومحبة تسعى لتقديم الدعم الحقيقي لمن دمرت عائلتها بسبب تصرفات والدها.

التقارب العاطفي والتسامح

عندما تقترب راك من بام، تصبح راك الملاذ الآمن لبام، حيث تتعامل مع حزنها وصدمتها بصبر شديد، محاولة ملء الفراغ العاطفي الذي تعاني منه و تتحمل راك مسؤولية عاطفية ضخمة، فهي توازن بين مشاعر الحب الصادقة التي تنمو في قلبها تجاه بام، وبين الخوف المستمر من اللحظة التي قد تقف فيها خطيئة والدها حائلا بينهما وسببا لانهيار هذا الحب.

التقاطع مع مسارات نيني وأوت

في الوقت نفسه، تتناقض شخصية راك المسالمة والمتفهمة مع شخصية نيني شقيقتها غير الشرعية، والتي تسير في خط درامي فرعي مدفوع برغبة الانتقام وتصفية الحسابات الشخصية.
في الوقت الذي تمثل فيه مسيرة راك التسامح والبحث عن السلام الداخلي، تظهر نيني الجانب المظلم من عدم القدرة على التجاوز.
أما شخصية أوت، فتظهر في حياة كل الشخصيات بأسلوبها الملح والمستمر، لتشارك في التحديات اليومية والعلاقات الاجتماعية بينما راك تتعامل معها بحكمة لتجاوز التوترات الجانبية وعدم تشتيت تركيزها عن هدفها الأساسي مع بام.

الشفاء المشترك

تصل رحلة راك إلى ذروتها عندما تضع مشاعرها على المحك، وتثبت لبام بمرور الوقت أن ذنب الأب لا يورث للأبناء. وبفضل نضجها العاطفي وتمسكها بلغة الحوار الهادئ، تنجح راك في مساعدة بام على التخلص من غضبها وحزنها المكتوم. ومعا، تبنيان علاقة صحية ومستقرة تتحدى قسوة الماضي، وتؤكد أن الحب القائم على الصراحة يمكن أن يكون طوق النجاة.

الام هي المفتاح

في البناء الدرامي لمسلسل Us The Series، لا تأتي شخصية الأم مجرد ظل عائلي يمر في خلفية الحكاية، بل تتبلور كركيزة شعورية ومفتاح مفصلي لتفكيك الصراعات الممتدة عبر الأبناء؛ وهو الدور الذي جسدته الممثلة رامافادي ناخودتري Ramavadee Nakchudtree ببراعة واقتدار.
في صدارة المشهد، تبدو الأسرة محاصرة تحت وطأة هيمنة الأب المتسلط؛ تلك السطوة التي شكّلت المناخ السام والمولد الأساسي للأزمات العاطفية والنفسية التي تخبط فيها الأبناء. ويتجلى هذا التسمم العائلي بوضوح في أزمة الابن كاوي Kawi، الذي تحوّل إلى “الضحية الصامتة” للدراما؛ إذ عانى من قمع سلطوي مباشر جعله يستدمج مشاعر الذنب والعجز، ويدخل في عزلة وجدانية حادة وانكسار نفسي وصل إلى حافة الانهيار، نتيجة محاولاته المستميتة لإرضاء الأب والتكيف مع الاستغلال العاطفي الذي تعرض له.

وهنا يكمن جوهر التحول الذي أحدثته شخصية الأم، إذ لم يأتِ قرارها بالتدخل وليد اللحظة، بل جاء بعد أن فاض كيلها بالصبر على زوجها المنحل وتراكمات سلوكياته العابثة.
كان مشهد رؤية انكسار أبنائها، إلى جانب الجروح العميقة التي ألمّت بابنته غير الشرعية “نيني”، هما القشرة التي قصمت ظهر الخضوع؛ حيث امتزجت المرارة الشخصية من تعرضها للخيانة تكرارا، مع الدافع الأمومي للحماية، لتحرك الأم أخيراً نحو الثورة الشاملة.
لم تكتفِ بالتعاطف الصامت، بل خطت الخطوة الحاسمة بالتمرد على هذه السيطرة وكسر قيود السطوة، ليكون قرار انفصالها بمثابة الانفراجة التي أزاحت الكابوس وأوقفت النزيف النفسي للجميع قبل فوات الأوان.

على الصعيد العاطفي، تتجلى ذروة الأداء والعمق الدرامي في تلك اللحظات التي تحولت فيها الأم من ضحية للزوج، إلى ملاذ آمن للأبناء. كان دعمها الصريح واحتضاؤها لابنتها راك في أوقات التشتت والارتباك، بجانب انتشال ابنها كاوي من القاع واستيعاب آلام الماضي، هو الجسر الذي عبرت عليه الشخصيات من ظلمات الخوف إلى نور المصالحة والتعافي.

إنها لم تحل الأزمات الإجرائية فحسب، بل رممت الانكسارات النفسية ومنحت الجميع مساحة التحرر والبدء من جديد.
بهذا الأداء المتزن، تحولت الأم من عنصر هامشي إلى قوة محركة حقيقية، أثبتت من خلالها الدراما أن الخلاص من الأزمات المركبة لا يتأتى إلا عبر الشجاعة في مواجهة جذور الخلل العائلي وإعادة بناء المحبة على قواعد من الفهم والدعم المطلق.

بنية القصة وإيقاع السرد

القصة تتداخل بنعومة وقوة لتخلق حالة من الحب الذي يجمع بين الجراح والشفاء. وتظهر حساسية النص بوضوح في طريقة معالجة الصراع الرئيسي، حيث تقع بام في حب ابنة الرجل المتسبب في وفاة والديها، ورغم ذلك اختار النص الابتعاد عن قسوة الانتقام المعتادة أو السلوكيات السامة، واتجه نحو التسامح والتفهم السريع.
وركز السيناريو ايضا على النضج العاطفي والتواصل الفعال بين الشخصيات. بينما الكتابة منحت مساحة كبيرة للمشاعر الإنسانية الهشة، مما جعل العلاقة تبدو واقعية ومريحة على الشاشة، حيث تركز الشخصيات على كيفية دعم بعضها البعض بدلا من اختلاق سوء تفاهم يطيل أمد الحلقات بلا داع.

الإخراج والصورة

بالحديث عن الإخراج والصورة، يمكن الإجماع على أن المسلسل يعتبر تحفة فنية هادئة تتميز بجودة بصرية تقارب الأفلام الفنية المستقلة.
الفضل الأكبر هنا يعود إلى المخرجة كانيثا كوانيو التي تشتهر بلقب “المخرجة الأم القديسة” لأسلوبها الذي يميل دائما إلى تصوير الحب كقوة شافية ومنقذة للروح. وهو ما ظهر في المسلسل حيث نجحت في خلق جو دافئ ومريح يعتمد على الإضاءة الناعمة والموسيقى التصويرية الممتازة التي عززت من قوة المشاهد.
رؤية المخرجة أضفت على المسلسل رقة غير عادية في تصوير الحميمية العاطفية بين النساء. وابتعدت عن تقديم أي شغف مبالغ فيه أو رومانسية مصطنعة.

التصوير كان سينمائيًا شاعريا للغاية، واعتمد على زوايا أنيقة، مع اضافة جمالية مشاهد المطر البديعة في الحلقات الاولى.

أما بالنسبة للإضاءة، جاء استخدام الإضاءة الناعمة والعاطفية ليلعب دورا محوريا في تعزيز الحالة النفسية للمشاهد. وتكاملت هذه الصورة البصرية الدافئة مع اختيار زوايا الكاميرا التي ركزت على لغة العيون والتفاصيل الدقيقة، مما جعل اللحظات الصامتة تتحدث بصوت أعلى من الحوارات، وحول بعض النظرات المتبادلة بين الشخصيات إلى ما يشبه القبلات الروحية العميقة.

الأداء التمثيلي

على مستوى الشخصيات والكيمياء بين البطلتين بام وراك، قدمت الممثلتان إيمي وبوني أداء طبيعي وواقعي لدرجة أن لغة العيون بينهما كانت بمثابة قبلات روحية. وقدمتا نموذجا رائعا للعلاقات الصحية الخالية من السمية، حيث يتم حل المشاكل بالتواصل والتفاهم السريع، وهو توجها نادرا ومحببا في هذا النوع من الدراما.

سلبيات

أما فيما يخص الانتقادات السلبية، بشكل أساسي تعتبر اكبر مشكلة في المسلسل هي ضعف الحبكة والبطء الشديد في الإيقاع. فبعد نصف الحلقات صار المسلسل مملا وراكدا حيث تغيب الأحداث المشوقة ويكتفي العمل بعرض مشاهد الحياة اليومية اللطيفة دون تطور حقيقي في القصة.
بينما يغيب ايضا التطور العاطفي للعديد من الشخصيات رغم مرور الزمن في الحلقات الأخيرة.
ويعرض العمل قصة الانتقام الخاصة بشخصية نيني والتي تعتبر متكررة ومليئة بالثغرات ومملة، بالإضافة إلى شخصية أوت التي تعتبر مهدرة وتحول إصرارها إلى أمر مزعج للمشاهد. وكون الصراع الرئيسي المتمثل في وقوع بام في حب ابنة الرجل المتسبب في وفاة والديها تم حله بسهولة وسرعة مفرطة، فذلك أضاع فرصة لتقديم عمق درامي أقوى. فضلا عن عدم وجود نهاية عادلة حيث استمتع الأب الظالم بحياته وأفلت من العقاب.