أصالة في الشام.. صفقة ربع مليون دولار وتلميع لا يرمم الجراح
لقد سبق السيف العذل، ولم يعد في جعبة محاولات التودد ما يمكن ترميمه؛ فأصالة التي تعود اليوم للغناء فوق المسارح السورية أفرغت اسمها من كل معاني الأصالة ولم يتبق من اسمها سوى عنوان عريض للتقلب وبيع المواقف.
تحاول اليوم دغدغة المشاعر واستحضار اسم الفنان العربي الكبير فهد بلان والتغني بأفضاله، متجاهلة أن ما قدمه الرجل كان واجباً بحكم الصداقة الشخصية التي جمعته بوالدها الراحل مصطفى نصري.
ومن المثير للدهشة أن تتغنى بالوفاء والخير وهي التي أغلقت الأبواب في وجه أقرب الناس إليها، فكانت السد المنيع والخصم الأشد لأختها ريم نصري لمجرد أن الأخيرة فكرت في خوض تجربة الغناء.
إن المتابع للمسيرة الفنية لهذه المطربة، يرى بوضوح كيف تحول السعي خلف المادة إلى محرك أساسي لغالبية المواقف والخيارات، وتتجلى صور النفاق الفاقع في قدرتها على التلون واللعب على مختلف الحبال والأكل على كل الموائد وفق ما تقتضيه المصلحة الشخصية والمكاسب المالية.
والتاريخ الفني لأصالة يحفظ محطات لا تمحى، بدءاً من القرارات والأزمات المتكررة التي واجهتها بشأن المنع من الغناء في مصر من قبل نقابة المهن الموسيقية، وصولاً إلى موقفها في برنامج “من سيربح المليون” حين أحرجت الإعلامي جورج قرداحي بامتناعها عن التبرع بجزء من أموال الجائزة واحتفاظها بالمبلغ كاملاً.
ولم تتوقف التحولات عند الحدود المادية، بل امتدت لتشمل تنكراً واضحاً للهوية الفنية للبلد الذي شهد بداياتها، حين اعتبرت نفسها فنانة خليجية وصارت تحظى برعاية أمراء الخليج الذين أغدقوا عليها الثروات الطائلة، بالتوازي مع التغيرات الشكلية المتواصلة عبر عمليات التجميل المتعاقبة.
واليوم تتكرر المشاهد ذاتها في حفل صالة الفيحاء، حيث لم تكن تلك العبارات العاطفية المرددة على المسرح حول الشوق والمحبة سوى غطاء لواقع مختلف، إذ غادرت الشام فور انتهاء الحفل مباشرة متجهة إلى مقر إقامتها في مصر، حاملة معها أجر الحفل البالغ 250 ألف دولار لتستمتع بها خارج البلاد.
لقد غادرت دون أن تقدم تفسيراً لأهالي المدن المدمرة أو عائلات الشهداء والمفقودين حول كيفية تعافي البلاد عبر حفلات غنائية، تاركة خلفها انقساماً وشجاراً حاداً بين أبناء الشعب السوري، بين من يملك المال وحضر ليطرب، وبين شعب أُرهق بالتناحر حول جدوى الحفل.
إن الاعتراض هنا ليس على ممارسة المهنة أو ممارسة الغناء بحد ذاته، بل يكمن الاعتراض الرافض لمحاولات إظهارها في صورة البطلة القومية لسورية.
فالاختلاف في الآراء حول هذا الحفل حالة صحية ومكفولة للجميع دون تهديد أو تخوين أو إقصاء، ولكن محاولات تلميع الصورة لن تفلح في تغيير الواقع، فالجراح التي خلفتها المواقف أعمق من أن تمحوها الأيام أو تتجاوزها الكلمات.

